تقارير

بهذه الانتهاكات الجسيمة تودّع السعودية 2020

نظام ملكيّ مطلق تُحظر فيه الأحزاب السياسيّة من العمل وينعدم فيه وجود أيّة اتّحادات أو جمعيّات سياسيّة. نظام قمعيّ مستبدّ يأتي فيه الملك على رأس هرم السلطة، فهو الملك ورئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوّات المسلّحة، وهو يجمع بين السّلطات التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة، بينما تهيمن العائلة المالكة على الحكومة، ويشغل أبناءها أغلبيّة المناصب الرئيسية في البلاد، حتى أنّ الواحد منهم ليشغل أكثر من وزارة سياديّة في الوقت نفسه. فساد سياسيّ وإداريّ وقضائيّ لا مثيل له، مجتمع مدنيّ مضغوط، مراقَب مختَرَق، مضيّق عليه، ومهدّد بالإختفاء القسري والسجن والمحاكمات الكرتونية، وقيود مفروضة على الإعلام وحرية التعبير. سياسات خارجيّة مدمّرة، سجلّ حافل بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم البشعة التي ترتقي في أغلبها إلى جرائم حرب، اغتيالات مدبّرة، قمع الكتروني مدعوم من أطراف غربيّة، مشاريع عملاقة تسحق سكّانا أصليّين وتهجرهم قسريّا؛ هكذا تُعرِّف المملكة العربيّة السعوديّة نفسها وبهذه الانتهاكات الجسيمة تستعدّ لتوديع 2020.

عام آخر ينقضي مخلّفا وراءه أزمة عالميّة حادّة عمّقتها التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كوفيدــ19، هذا العدوّ المشترك والتّهديد المشترك الذي كانت استجابة الحكومات له مجزأة وفوضويّة. عام آخر ينقضي والمملكة تحت إمرة وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان؛ الشابّ الذي نذر نفسه وأموال شعبه ومؤسّسات دولته وأذرعه الإعلاميّة وذبابه الإلكتروني وقاتليه المأجورين للتّرويج لشخصه ولرؤيته المدمّرة، ولتصفية معارضيه وتكميم أفواه المغردين خارج سربه، ماضيا في سحق الدول الأضعف، ودعم الأقوى، وتمويل الحروب، وصولا إلى دعم التّطبيع ــ وإن خفية ــ مع الكيان الصهيوني.

سجلّ مُروّع في مجال حقوق الإنسان

لا يختلف اثنان في الإقرار بأنّ سجون مملكة بن سلمان تعجّ وتغصّ وتفيض عن طاقتها بمعتقلي الرأي، والناشطين الحقوقيين، والسياسيين، والإعلاميين، والداعين للإصلاح، وحتّى الأجانب المقيمين في السعوديّة والدّاعمين للمقاومة الفلسطينيّة، أو أولئك اللاجئين الذين دخلوا أراضي المملكة في محاولة يائسة لتوفير حياة أفضل. ولعل شهر ديسمبر وحده كفيل بتسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي تنتهجها المملكة العربية السعودية، وعلى ردود فعل سلطاتها الوحشية ضدّ الأصوات المطالبة بإصلاحات.

في أوّله فقد الشيخ سلمان العودة نصف بصره وسمعه بسبب الإهمال الصحي المتعمّد ضدّه وسجنه لسنوات في العزل الانفرادي، وتعرضه بشكل تعسفي ومستمر لسوء المعاملة، سواء في سجن ذهبان أو في سجن الحائر الذي نُقل إليه مكبّل اليدين معصوب العينين وملقى به في مؤخرة سيارة دون تأمين جلوسه على مقعد. وفيه حددت المحكمة الجزائيّة المتخصصة ــ التي تنظر في قضايا الإرهاب ــ تاريخا لمحاكمة معتقلي حملة أبريل 2019؛ حملة اعتقالات استهدفت 16 شخصا بين كاتب وصحفي وحقوقي وناشطين بارزين، انتقدوا وليّ العهد محمد بن سلمان، منذ مقتل الصحفي جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول، مطلع أكتوبر 2018. وتصرّ السلطات على التكتم على ظروف احتجازهم، كما تحرمهم حقّ التواصل مع ذويهم. وفي ديسمبر أيضا، دخل الناشط والحقوقي البارز محمد فهد القحطاني، أحد مؤسسي جمعية حسم الحقوقية، والمعتقل في سجن الحائر، إضرابا مفتوحا عن الطعام احتجاجا على منعه من الاتّصال بأسرته وحرمانه من العلاج. وتكشف معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضها القحطاني التضييقات الشديدة التي يتعرض لها معتقلو الرأي. وفيه كشفت منظّمات حقوقية عن اعتقال الناشط فهد اليوسف منذ أكثر من سنة لمجرد انتقاده افتتاح مرقص في جدة فضلا عن إغلاق حسابه على تويتر. وفيه اِعتقل الناشطان الإعلاميان عبد الرحمان المطيري، وراكان المسيري؛ وفي ديسمبر كذلك، طوت وزارة الشؤون الإسلامية قيد 100 خطيب بعد رفضهم مهاجمة حركة الإخوان المسلمين كما دعت إليها هيئة كبار العلماء في السعودية. وفي نفس الشهر، تعنّتت السلطات السعودية في الإفراج عمّا يزيد عن 65 من المعتقلين الفلسطينيين والأردنيين، وعلى رأسهم القيادي البارز في حركة حماس، الدكتور محمد الخضري (81 عاما) ــ  المُصاب بمرض السرطان ــ ونجله الدكتور هاني، والذين تعتقلهم على خلفية تهم “ملفقة” مشمولة بقانون مكافحة الإرهاب دون بيّنة تُذكر. وفي ديسمبر أيضا، كشف مهاجر إثيوبي عبر هاتف مهرب ــ دون أن يذكر اسمه لأسباب أمنيّة ــ عن جحيم المعتقلات السّعوديّة قائلا أنّه و300 من أبناء بلده محتجزون في ظروف غير آدميّة، وأنّهم يتعرضون للضرب والصعق بالكهرباء، واصفا كيف جرى تقييدهم سويًا في أزواج وإجبارهم على استخدام أرضيات الزنازين كمراحيض، ومؤكّدا أنّ حتّى النساء الحوامل والرضع والأطفال الصغار محتجزون في نفس الظروف المروعة، بحسب تقرير نشرته ذي اندبندنت نقلا عن وكالة أسوشيتيد برس. ولا تخلو السجون السعودية من الحقوقيات والناشطات النسويات كنسيمة السادة، وسمر بدوي، ونوف عبد العزيز، اللاتي يتعرضن لأسوأ ضروب المعاملة كالتحرش والضرب المبرح والاعتداء الجنسي والتجويع والتسهير. وها هي السلطات السعودية تصدر اليوم 28 ديسمبر 2020، حُكماً ضد لجين الهذلول بالسجن لمدّة 5 سنوات و8 أشهر من تاريخ إيقافها. حكم جائر أصدرته المحكمة الجزائية المتخصصة على خلفية اتهامات زائفة بـ”سعي الهذلول لتنفيذ أجندة خارجية وتغيير النظام الأساسي للحكم”. حكم صدر بعد تلاعب كبير في قضية الهذلول عبر المماطلات في المحاكمات، وإنكار التعذيب، وهو ما يكشف بكلّ وضوح تهالك المنظومة القضائيّة السعودية والحاجة الماسّة لإصلاحها والاستقلال بهياكلها عن المنظومة السياسية.

هذه ليست سوى بعض القضايا البارزة التي جذبت في معظمها اهتماما عالميا، بينما توثّق المنظمات الدولية لحقوق الإنسان حالات أخرى لا تُحصى. هذا شهر واحد من الانتهاكات الخطيرة، شهر بقيت منه 3 أيّام لا ندري مالذي قد يطرأ فيها في ظلّ حكم مستهتر، ماض في خرق القانون الدولي، حكم نجح في خلق مناخ من الخوف يمتد إلى خارج البلاد، حيث حتّى نشطاء حقوق الإنسان السعوديين في المنفى يخشون على سلامتهم وسلامة أسرهم، وخاصة أقاربهم الذين لا زالوا يتواجدون داخل البلاد، وخاصة بعد “جريمة المنشار” البشعة والنكراء.

مملكة منبوذة دوليا

 لعلّ إخفاق السعودية في الحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان خير دليل على تحول المملكة إلى دولة منبوذة دوليا خاصة في ظل حكم بن سلمان. هزيمة قاسية كانت نتيجة ضغوط مكثفة من قبل المنظمات الحقوقيّة التي أكّدت أنّ مصداقية المجلس ستكون على المحك إذا تم انتخاب السعودية بالنظر إلى انتهاكات حقوق الانسان التي يتعرض لها مواطنوها على يد سلطاتها. هزيمة تكشف أنّ المجتمع الدولي لا يقيم وزنا للمملكة على الرغم من إنفاق بن سلمان لملايين الدولارات للتغطية على جرائمها البشعة. هذا وتتصاعد الاحتجاجات في الدول المتحالفة مع المملكة، وهي الولايات المتّحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، حيث تسعى منظمات حقوقيّة بارزة والعديد من وسائل الإعلام والمواطنين إلى مساءلة حكوماتهم عن صفقات بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية التي يُزعم أنها تُستخدم لاستهداف المدنيين في اليمن الذي مزّقه الصراع والحصار، وأكلته الأوبئة وابتلعته المجاعة.

وعليه فقد بات من الضّروري الضّغط على النّظام السعودي بهدف الإفراج عن كافّة المعتقلين ظلما خاصة في ظل تفشي جائحة كوفيدــ19، كما أنّه من الأهمّيّة بمكان تسليط أقسى العقوبات على الرّياض، ومحاسبة كل المسؤولين عن الجرائم المروعة التي تحدث في الداخل والخارج. إنّ الصمت الدوليّ ما زاد استهتار بن سلمان، والإفلات من العقاب ما قوّى نفوذه.

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف، هذه هي المعادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى