تكشف الشهادات الجديدة التي أدلت بها شقيقة رسام الكاريكاتير السعودي محمد هزاع الغامدي عن تفاصيل صادمة لعملية اعتقاله، وما تبعها من انتهاكات جسيمة، تعكس طبيعة التعامل الأمني مع الفنانين وأصحاب الرأي في السعودية.
وبحسب رواية شقيقته، بدأت الواقعة بمراقبة مريبة تعرّض لها الغامدي قبل اعتقاله، حيث لاحظ وجود شخص يتبعه في أكثر من مناسبة، قبل أن يتأكد لاحقًا أن الأمر لم يكن مصادفة. وفي إحدى المرات، وأثناء وجوده في مكان عام، داهمته قوة أمنية بشكل مفاجئ، واعتقلته أمام الحضور بطريقة وصفتها العائلة بأنها “تعامل مع مجرم خطير”، حيث تم تقييده وتعصيب عينيه واقتياده بالقوة.
في الوقت ذاته، اقتحمت قوة أخرى منزله، حيث كانت زوجته الحامل وأطفاله. وتصف الشقيقة المشهد بأنه كان صادمًا، إذ دخلت عناصر أمنية بلباس مدني، وشرعت في تفتيش المنزل بشكل عنيف، قبل أن تتجه إلى مرسمه الفني وتقوم بتدمير محتوياته بالكامل، ومصادرة أجهزته وكتبه. كما تعرض أحد أطفاله لصدمة نفسية شديدة نتيجة هذا الاقتحام، في ظل غياب أي مراعاة لوضع العائلة.
تؤكد الشهادة أن الغامدي تعرّض لفترة طويلة من الانقطاع الكامل عن عائلته، حيث لم يُسمح لهم بالتواصل معه إلا بعد نحو خمسين يومًا، في ظل غموض تام حول وضعه. ورغم محاولاته طمأنة أسرته خلال أول لقاء، إلا أن ما تكشف لاحقًا من تفاصيل يشير إلى تعرضه لانتهاكات، خاصة في ظل الضغوط التي مورست عليه للاعتراف بأفعال ينفيها.
وتشير المعطيات إلى تعرضه للإهمال الطبي، رغم معاناته من مرض السكري، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية وظهور مضاعفات متعددة، من بينها مشاكل في الكلى والأعصاب والظهر. كما أفادت العائلة بأنه حُرم من أبسط الاحتياجات الطبية داخل السجن، في ممارسات تعكس تجاهلًا واضحًا لحالته الصحية.
أما من الناحية القانونية، فقد وُجهت إليه اتهامات تتعلق بنشر رسوم مسيئة والتعاطف مع قطر، إلى جانب مزاعم أخرى نفتها العائلة، مؤكدة أن العديد من الأعمال التي استندت إليها الاتهامات لا تعود إليه أصلًا. ورغم ضعف هذه التهم، صدر بحقه حكم قاسٍ بالسجن لمدة 23 عامًا، بعد أن كان الحكم الأولي أقل بكثير، قبل أن يُعاد فتح القضية وتُشدد العقوبة دون تفسير واضح.
وتكشف هذه القضية عن نمط متكرر، حيث يُستخدم المحتوى الفني أو التعبير السلمي كمدخل لتجريم الأفراد، في ظل غياب الشفافية في الإجراءات القضائية، وحرمان المتهمين من حقوق الدفاع الأساسية. كما تبرز التناقضات في هذه القضية، خاصة أن الاتهامات المرتبطة بالتعاطف مع قطر جاءت في سياق سياسي تغير لاحقًا، دون أن ينعكس ذلك على مصير المعتقل.
شهادة شقيقة الغامدي لا تقدم فقط تفاصيل إنسانية عن معاناته، بل تسلط الضوء على بيئة أوسع من الخوف والصمت، حيث أوضحت أن العائلة امتنعت عن الحديث لفترة طويلة خوفًا من العواقب، قبل أن تقرر كسر هذا الصمت بعد اتضاح حجم الحكم الصادر بحقه.
إن قضية محمد هزاع الغامدي تمثل نموذجًا واضحًا لحالة يتقاطع فيها الاعتقال التعسفي مع الإخفاء القسري والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، وتثير تساؤلات جدية حول استخدام النظام القضائي كأداة لمعاقبة التعبير الفني والنقدي.
وتؤكد منظمة معًا من أجل العدالة أن استمرار احتجاز الغامدي في ظل هذه الظروف، والحكم الصادر بحقه، يعكسان انتهاكًا صارخًا لحرية التعبير والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وتطالب بالإفراج الفوري عنه، وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرض لها منذ لحظة اعتقاله.

