صحافة عالمية

تقارير حقوقية: عُمال نيوم أكثر عرضة للخطر والانتهاكات من غيرهم

يخطط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإنشاء مدينة نموذجية بقيمة 500 مليار دولار في صحراء شمال غرب المملكة العربية السعودية، يدعي أنها يوتوبيا هذا العصر، لا مثيل لها في نظافتها وتقدمها وتطورها، وهي أبرز مشاريع رؤية 2030 الخاصة به.

بحسب ادعاءاته، من المفترض أن يتم تشغيل مدينة نيوم بالطاقة النظيفة، وتُدار بالذكاء الاصطناعي معززة بالتعلم الآلي، بها خدم من الروبوتات، وسينتشر فيها سيارات أجرة طائرة، فضلاً عن قمر اصطناعي وشواطئ متلألئة.

رغم كل هذه الدعاية العالمية لمشروع نيوم، والحديث عن احترام البيئة وحقوق الإنسان، فإن خطوات بناء المدينة نفسها قائمة على عدد ضخم من الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب التفات دولي لوضع حد لها.

آلاف العمال المهاجرين الذين يتم استغلال فقرهم وحاجتهم لأي وظيفة عبر قوانين العمل التعسفية في السعودية يعانون من أوضاع بالغة السوء داخل المدينة التي يصمم ولي العهد على إنجازها في أقصر وقت رغم ضعف الإمكانات.

 إذا كانت الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات التي تم التعاقد معها لتطوير نيوم ترغب في تجنب التواطؤ في الاستغلال الممنهج للعمال المهاجرين من قبل السعودية، فسيتعين عليها وضع سياسات وممارسات تحمي حقوق عمالها بشكل فعال.

المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى لديهم سجل قاتم عندما يتعلق الأمر بمعاملة العمال المهاجرين الذين ينحدر معظمهم من جنوب آسيا، وغالباً ما يقترضون لدفع رسوم التوظيف العالية، والتي يقضون السنوات الأولى من عملهم في محاولة لتسديد تلك الديون.

في ظل نظام العمل الاستغلالي المعروف باسم الكفالة، غالباً ما يتم مصادرة جوازات سفر العمال من قبل أصحاب العمل الذين يمارسون لاحقًا حق النقض (الفيتو) على قرارات هؤلاء العمل بتغيير وظائفهم أو حتى مغادرة البلاد، وفي المقابل، يجبرونهم على العمل في ظروف قاسية، خاصة عمال البناء الذين يعملون لساعات طويلة في مواقع العمل الخطرة في درجات حرارة عالية تفوق درجات الغليان.

في مواجهة الضغوط الدولية لوقف الانتهاكات ضد العمال المهاجرين، أدخلت الحكومة السعودية بشكل دوري إصلاحات عمالية، كان آخرها في مارس/آذار 2021، وبحسب لبيان صادر عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية كان الهدف من تلك المبادرة “تعزيز العلاقة التعاقدية بين العمال وأرباب العمل وإنشاء سوق عمل جذاب من شأنه أن يضع المملكة على قدم المساواة مع الأسواق الدولية المماثلة “.

مع ذلك، جاءت هذه الإصلاحات محدودة للغاية حيث لم تشمل شرائح كبيرة من العمال المهاجرين، ولم تعالج الظروف الرئيسية التي سمحت بانتهاكات العمال، مثل السماح بحرية اتخاذ القرار وغيرها من الانتهاكات الأخرى.

والأهم من ذلك، فشلت المملكة العربية السعودية في تطبيق هذه الإصلاحات بصورة كبيرة، في الواقع، وعلى الرغم من الإصلاحات التي تم إدخالها، والتي تهدف إلى ضمان دفع الرواتب، وحظر مصادرة جوازات السفر وظروف العمل الخطرة، فإن مثل هذه الانتهاكات لا تزال متفشية بين العمال المهاجرين، الذين يجد الكثير منهم نفسه محاصر في الديون وغير قادر على مغادرة البلاد، فيضطرون إلى الموافقة على العمل في بيئة من العبودية الحديثة.

مؤسسة Equidem -وهي شركة استشارية متخصصة في مجال حقوق العمال وجمعيات خيرية- وجدت أن جائحة كورونا أدت إلى تفاقم الأوضاع المأوساوية للعمال، مما زاد من مخاطر الظروف المعيشية ودفع العديد من الشركات إلى فصل العمال فجأة أو التوقف عن دفع أجور العمال الذين لا يزالون في الخدمة.

قد يكون عمال نيوم أكثر عرضة للخطر من نظرائهم في باقي أنحاء المملكة، المدينة النموذجية هي من بنات أفكار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي كشف النقاب عن خطط للمدينة الجديدة بفيديو ترويجي مبهر في مؤتمر “دافوس الصحراء” في الرياض في أكتوبر/تشرين الأول 2017، والذي قال عنها أنها “أهراماته” بحسب تقرير لوول ستريت جورنال.

على الأرجح لن يستجيب ولي العهد -الوحشي- لأي نداءات تتعلق بتحسين أوضاع العمال إذا تأخر تسليم مشروعه المفضل، بالرغم من أنه متأخر بالفعل، حيث بدأ البناء في يناير/كانون الثاني 2019، لكنه وقع منذ ذلك الحين في مستنقع التأخير، وفي فإن تسليم المدينة في أحد الموعدين المعلنين للانتهاء من بنائها – 2025 و 2030 – يبدو أمر بعيد المنال.

لقد أظهرت حكومة ولي العهد بالفعل نهجاً عنيفاً لإزالة العقبات التي تعترض بناء نيوم، وشنت حملة قاسية ومميتة من أجل التهجير القسري لقبيلة الحويطات وإبعادهم عن أراضي أجدادهم الواقعة في امتداد الصحراء داخل المنطقة الأكبر المخصصة لهذه المدينة.

لكي تصبح حقاً مدينة نموذجية للمستقبل المتطور، على الشركات متعددة الجنسيات مثل شركات الهندسة والبناء والغاز والكيماويات الأمريكية Bechtel و AECOM و Air Products and Chemicals و Solar Water ومقرها المملكة المتحدة والتي وقعت بالفعل عقودًا بمليارات الدولارات للتطوير في نيوم، أن تبدأ في تبني سياسات وممارسات “موثقة” لحماية العمال الذين يستخدمونهم في بناء المدينة بما يتماشى مع المبادئ التوجيهية الدولية لحقوق الإنسان المقبولة.

ويشمل ذلك الالتزام باتخاذ التدابير المناسبة لوقف فرض رسوم الاستقدام على العمال، واعتماد حد أدنى للأجور؛ وضمان حق العمال في تغيير وظائفهم، والحق في الاحتفاظ بجوازات سفرهم وحرية مغادرة البلاد.

يجب عليهم أيضاً الالتزام بتهيئة ظروف عمل ومعيشة آمنة وصحية، بما في ذلك التدابير الإضافية التي قد تكون مطلوبة لحماية العمال من فيروس كورونا، وحظر العمل في ظروف الحرارة الشديدة.

تسعى الشركات العالمية لتحقيق أرباح كبيرة في نيوم، لكن يجب ألا تفعل ذلك على حساب العمال المهاجرين، بل يجب أن تساعد الشركات المشاركة في تطوير المدينة المستقبلية في إنهاء سوء المعاملة والاستغلال الذي يعاني منهم جميع العمال في المنطقة.

الترجمة عن موقع شبكة CNN الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى