تقارير

تمويه مفضوح.. حملة تعنيف قاسية بحق معتقلي السعودية متوارية خلف إفراجات “صورية”

 بداية بدت موفقة كليا من النظام السعودي بإطلاق سراح عدد من النشطاء البارزين في أوائل العام الجاري، مما عكس “تفاؤلا نادرا” بين النشطاء الحقوقيين تجاه المملكة التي ما زالت تعيش حقوقيا في العصور الوسطى، حيث السجون لا يحكمها رقيب، ولا تخضع لقانون سوى مصالح العائلة الحاكمة وفتاها المدلل الولع بتصفية خصومه بالمناشير.

هذا التفاؤل النادر سرعان ما تحول إلى غضب متجدد ومتصاعد بعدما تكشف بجلاء الخدعة التي أرادت السلطات السعودية تمريرها عبر هذه الإفراجات الصورية، حيث قالت “هيومن رايتس ووتش” إن قمع السلطات السعودية للمعارضين، ونشطاء حقوق الإنسان، والمنتقدين المستقلين لا يزال مستمرا بنفس الشدة رغم خدعة الإفراجات المؤقتة.

وبحسب بيات صادر عن المنظمة الدولية الحقوقية المستقلة، فقد يبيّن الحكم على ثلاثة رجال في مارس/ آذار وأبريل /نيسان بالسجن لفترات طويلة بتهم تتعلق بمعارضتهم وتعبيرهم السلميين، استمرار حملة القمع التي تشنّها السلطات، حيث حكمت محكمة قضايا الإرهاب السعودية في 5 أبريل /نيسان، على عبد الرحمن السدحان (37 عاما)، عامل إغاثة، بالسجن 20 عاما، يليها منع سفر لمدة 20 عاما، بتهم تتعلق بتعبيره السلمي. 

وفي 20 أبريل /نيسان، حكمت المحكمة نفسها على محمد الربيعة، ناشط حقوقي، بالسجن ست سنوات بتهم غامضة وزائفة تتعلق بنشاطه. تقول مصادر قريبة من القضيتَيْن إن السلطات السعودية عذبتهما أثناء احتجازهما، وأجبرتهما على توقيع اعترافات كاذبة.

المعتقل السعودي عبد الرحمن السدحان.. ثلاث سنوات من الانتهاكات - AOHRUK

قمع متصاعد

نائب مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، مايكل بَيْج، قال إن “إفراج السعودية عن عدد من النشطاء البارزين لا يُشير إلى تخفيف القمع عندما تنطق محكمة قضايا الإرهاب في البلاد بأحكام بالسجن لمدة 20 عاما بسبب انتقادات سلمية. قد تكون السلطات السعودية أفرجت عن بضعة أشخاص لتخفيف الضغط الدولي، لكن موقفها تجاه المعارضين لا يزال على حاله”.

واعتُقل السدحان، وهو موظف سابق في “الهلال الأحمر السعودي”، في مارس /آذار 2018 بعد اختراق السلطات السعودية المزعوم لحسابه مجهول الهوية على “تويتر”. احتجزته السلطات سرا دون أي اتصال بالعالم الخارجي لمدة عامين تقريبا قبل السماح له في فبراير /شباط 2020 بمكالمة هاتفية قصيرة واحدة مع عائلته. في أوائل مارس /آذار، وجهت له السلطات أخيرا اتهامات. في 5 أبريل /نيسان، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة الحكم بسجن السدحان 20 عاما، وفي أوائل مايو /أيار استأنف السدحان الحكم.

وذكرت شقيقة السدحان في الـ “واشنطن بوست” أن السلطات أساءت معاملته أثناء احتجازه، بما في ذلك بالصدمات الكهربائية، والضرب العنيف، والإساءة اللفظية. قالت أيضا إنه أُجبِر على التوقيع على وثائق استُخدمت كدليل في محاكمته، دون أن تسنح له فرصة قراءتها.

كما اعتقلت السلطات السعودية الربيعة، كاتب معروف، في مايو /أيار 2018 مع أكثر من 12 ناشطا بارزا في مجال حقوق المرأة. احتجزته السلطات تعسفا لثلاث سنوات تقريبا قبل توجيه اتهامات إليه في مارس /آذار. تضمنت الاتهامات تُهما غامضة لا تشبه الجرائم الفعلية، مثل “التوقيع على ما يحث على السعي إلى زعزعة النسيج الاجتماعي وإضعاف اللحمة الوطنية وتماسك المجتمع”، و”التواصل والاجتماع مع الغير بقصد الإخلال بأمن الوطن واستقراره…”، وعدم الإبلاغ عن “المؤيدين والمتعاطفين” مع “الإخوان المسلمين”، و”تأليف ونشر كتاب يحوي توجيهات مشبوهة”، وانتهاك قانون الجرائم الإلكترونية المسيء في البلاد.

وجاء الحكم الصادر بحقه بعد محاكمة دامت شهرا واحدا في المحكمة الجنائية المتخصصة. كان الادعاء قد طالب بإنزال عقوبة السجن لمدة أقصاها 25 عاما بحق الربيعة الذي قال مصدر مطلع لـ هيومن رايتس ووتش إن سلطات السجن عذّبته لشهور، بما في ذلك عبر الصدمات الكهربائية، والإيهام بالغرق، والضرب. قال المصدر إنه كان في كل مرة يُحتجَز في أماكن صغيرة دون نوم أو راحة لأيام، ويُعلّق رأسا على عقب، ويُحرم في كثير من الأحيان من وجبات الطعام خلال السنة الأولى من احتجازه.

في مارس /آذار، شددت محكمة استئناف سعودية الحكم الصادر بحق الناشط الحقوقي محمد العتيبي، بثلاث سنوات إضافية بسبب سفره إلى قطر في 2017 هربا من محاكمة جائرة. بعد ترحيله قسرا من قبل السلطات القطرية إلى السعودية في 2017، احتجزته السلطات، وحكمت عليه محكمة سعودية في يناير/كانون الثاني 2018 بالسجن 14 عاما بتهمة “تأسيس جمعية دون ترخيص” واتهامات غامضة أخرى تتعلق بجمعية حقوقية لم تُعمّر طويلا، كان قد أنشأها مع آخرين عام 2013.

إفراجات صورية

وفي الأشهر الأخيرة، أفرجت سلطات السجون السعودية عن عدد من النشطاء البارزين، ومن ضمنهم نشطاء يحملون جنسية مزدوجة من دول حليفة، وإن كان ذلك في ظل ظروف تخنق فعليا قدرة النشطاء على التعبير عن آرائهم أو مواصلة عملهم الحقوقي. مع ذلك، منذ مارس /آذار، عادت السلطات السعودية إلى الحكم على النشطاء بالسجن لفترات طويلة.

حُكِم على لجنين الهذلول، ناشطة حقوق المرأة التي أُفرج عنها في فبراير/شباط، بالسجن نحو ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ بتهم تسمح للسلطات السعودية بإعادتها إلى السجن في أي وقت بسبب أي “نشاط إجرامي” مُتصوّر، مما يحرمها فعليا من الانتقاد علنا أو استئناف نشاطها. أيّدت محكمة سعودية الحكم الصادر بحقها في الاستئناف في مارس/آذار.

وأفرجت السلطات عن صلاح الحيدر، كاتب ومفكّر، وعن بدر الإبراهيم، صحفي وطبيب، في فبراير/شباط، بكفالة في انتظار المحاكمة. كلاهما يحمل الجنسية الأمريكية. في مايو /أيار 2018، اعتُقلت عزيزة اليوسف، والدة الحيدر وناشطة بارزة في مجال حقوق المرأة، وأفرِج عنها بشروط في أوائل 2019. الحيدر والإبراهيم مُحتجزان منذ أبريل /نيسان 2019.

وفي نوفمبر /تشرين الثاني 2020، حُكم على نسيمة السادة، ناشطة في مجال حقوق المرأة، بالسجن خمس سنوات، نصفها مع وقف التنفيذ، بتهم مرتبطة بنشاطها السلمي. أيدت محكمة استئناف الحكم الصادر بحقها في مارس /آذار. من المتوقع مبدئيا إطلاق سراحها في يونيو /حزيران، رغم أن السلطات يمكن أن تُعيدها إلى السجن في أي لحظة بسبب الجزء الموقوف التنفيذ من عقوبتها.

كما تواصل السلطات السعودية أيضا استهداف ومضايقة المعارضين وأسرهم باستخدام أساليب متنوعة، بما في ذلك فرض وتجديد منع السفر التعسفي، والاحتجاز التعسفي لأفراد أسرهم بطرق ترقى إلى العقاب الجماعي، بالإضافة إلى منع السفر المفروض على السدحان والربيعة والعتيبي، فرضت السلطات السعودية منع سفر على نشطاء آخرين، هم خلف القضبان حاليا، وكذلك على السادة. رغم الإفراج عن الهذلول، إلا أنها لا تزال ممنوعة من السفر لمدة خمس سنوات.

اقرأ أيضًا: أين الأنظمة العالمية من حقوق الإنسان المنتهكة في فلسطين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى