تقارير

ست سنوات من الاحتجاز دون محاكمة: استمرار اعتقال الشاب السعودي راكان العسيري بسبب رفضه التطبيع

يمضي الشاب السعودي راكان العسيري عامه السادس خلف القضبان، بعد أن تحوّل اعتقاله الاستثنائي في ربيع عام 2020 إلى احتجاز مفتوح بلا تهمة ولا محاكمة، في واحدة من القضايا التي تكشف كيف يتعامل النظام السعودي مع جيل شاب اختار التعبير السلمي بدل الصمت، فكان السجن هو الجواب.

راكان العسيري، خريج هندسة البرمجيات من جامعة الملك سعود، لم يكن ناشطًا سياسيًا تقليديًا، ولا صاحب خطاب تصادمي. استخدم منصاته الرقمية ليعبّر عن مواقف فكرية وأخلاقية واضحة: رفض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، دعم حقوق المرأة، والمطالبة بإصلاحات اجتماعية سلمية داخل المملكة. مواقف عبّر عنها بلغة هادئة، دون تحريض أو إساءة، وفي إطار ما يُفترض أنه حق مكفول لأي مواطن. لكن هذا الحق تحوّل في نظر النظام السعودي إلى جريمة تستوجب الإخفاء والعقاب.

منذ اعتقاله في أبريل/نيسان 2020، لا يزال راكان محتجزًا تعسفيًا دون توجيه تهم رسمية، ودون إحالته إلى محكمة مستقلة، في مخالفة صارخة للقانون المحلي والمعايير الدولية. ومع مرور السنوات، لم يعد احتجازه حالة “مؤقتة” أو “قيد التحقيق”، بل أصبح نموذجًا للاحتجاز طويل الأمد خارج أي مسار قانوني واضح، تُدار فيه حياة شاب بالكامل بقرار أمني مغلق.

طوال فترة احتجازه، تعرّض راكان لانتهاكات متعددة، شملت ظروف احتجاز مهينة، وتضييقًا ممنهجًا على عائلته أثناء الزيارات، وحرمانًا من أبسط الضمانات القانونية. لكن أخطر ما تعرّض له لم يكن فقط السجن، بل تحويله قسرًا إلى أداة دعائية في يد النظام.

في يونيو/حزيران 2022، وبعد عامين من اعتقاله، أُجبر راكان العسيري على الظهور في برنامج تلفزيوني عبر قناة الإخبارية الرسمية، للحديث عن “تحسينات” مزعومة داخل سجن الحائر الذي يُحتجز فيه. ظهر الشاب أمام الكاميرا في مشهد مدروس بعناية، يروّج لصورة وردية عن السجن، ويستعرض أنشطة ومرافق قُدّمت وكأنها دليل “إنسانية” منظومة الاحتجاز، في محاولة فجة لتلميع صورة جهاز أمني لطالما ارتبط اسمه بالتعذيب والإهمال الطبي.

هذا الظهور القسري لم يكن بريئًا ولا معزولًا عن سياقه. فقد جاء في السجن ذاته الذي قُتل فيه المفكر والحقوقي السعودي عبد الله الحامد نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، وفي وقت كانت فيه تقارير حقوقية متواترة توثق سوء الأوضاع داخل سجن الحائر. إجبار معتقل رأي على أداء دور دعائي داخل مكان احتجازه ليس فقط انتهاكًا لكرامته، بل اعتراف ضمني باستخدام السجناء كأدوات لإخفاء الحقيقة، بدل معالجة الانتهاكات.

إن استمرار احتجاز راكان العسيري حتى اليوم، بعد مرور سنوات دون محاكمة، يمثل انتهاكًا صريحًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يفترض التزام المملكة به، ويكشف بوضوح أن التعبير السلمي، خصوصًا حين يتعلق بقضايا حساسة كالتطبيع أو الحقوق الاجتماعية، يُقابل بالقمع لا بالحوار.

تؤكد منظمة معًا من أجل العدالة أن قضية راكان العسيري ليست حالة فردية، بل جزء من نمط أوسع يستهدف الشباب تحديدًا، ويعاقبهم على التفكير المستقل، ثم يوظف معاناتهم لتجميل صورة السجون بدل إنهاء الظلم الواقع عليهم. وتدعو المنظمة المجتمع الدولي إلى التحرك الجاد للضغط على النظام السعودي من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن راكان العسيري، ووقف سياسة الاحتجاز التعسفي، وفتح تحقيق مستقل في ظروف احتجازه، وفي جريمة استغلاله إعلاميًا قسرًا.

إن أي حديث عن إصلاح أو تحديث يفقد معناه بالكامل، طالما يُعاقَب الشباب على آرائهم، وتُدار السجون كأدوات إسكات ودعاية، لا كمؤسسات خاضعة للقانون والمساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى