Site icon Together For Justice

احتجاز عمر وسارة الجبري… عقاب جماعي مستمر وانقطاع مقلق للأخبار رغم الأحكام القضائية

عمر وسارة الجبري

عمر وسارة الجبري

تتابع منظمة “معًا من أجل العدالة” بقلق بالغ التطورات المستمرة في قضية احتجاز المواطنين السعوديين عمر وسارة الجبري، والتي تمثل واحدة من أبرز القضايا التي تكشف نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل المملكة. ورغم مرور سنوات على صدور الأحكام القضائية بحق الشقيقين، فإن المعلومات حول أوضاعهما الحالية تظل شحيحة ومقطوعة إلى حد كبير، ما يثير مخاوف جدية بشأن سلامتهما الجسدية والنفسية، ويؤكد استمرار الطابع التعسفي لاحتجازهما.

إن قضية عمر وسارة الجبري لا يمكن فصلها عن السياق السياسي المرتبط بوالدهما، المسؤول الأمني السابق سعد الجبري، الذي غادر المملكة في عام 2017. فمنذ ذلك التاريخ، بدأت سلسلة من الإجراءات الانتقامية التي استهدفت أفراد عائلته داخل المملكة، بما في ذلك فرض حظر سفر تعسفي، وتجميد الأصول، والضغط المباشر لإجباره على العودة. وقد تصاعدت هذه الإجراءات بشكل خطير مع اعتقال عمر وسارة في مارس 2020، في خطوة وصفتها منظمات دولية، على رأسها هيومن رايتس ووتش، بأنها محاولة واضحة لممارسة الضغط على والدهما عبر احتجازهما كرهائن حرب.

لقد تم احتجاز الشقيقين في البداية بمعزل تام عن العالم الخارجي لعدة أشهر، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية التي تحظر الاحتجاز بمعزل لفترات مطولة، باعتباره شكلاً من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية. وخلال هذه الفترة، حُرما من التواصل مع محامٍ أو مع أفراد عائلتهما، كما لم تُقدّم أي معلومات رسمية حول مكان احتجازهما أو ظروفه، وهو ما يرقى إلى مستوى الإخفاء القسري وفق القانون الدولي.

وعلى الصعيد القضائي، شابت المحاكمة التي خضع لها عمر وسارة انتهاكات جسيمة للإجراءات القانونية الواجبة. فقد استندت التهم الموجهة إليهما، والتي شملت “غسل الأموال” و”محاولة الهروب”، إلى ما وُصف باعترافات مزعومة، دون وجود أدلة مادية كافية. كما جرت جلسات المحاكمة بشكل متسارع، وانتهت بإصدار أحكام بالسجن تسع سنوات لعمر وست سنوات ونصف لسارة. أما مرحلة الاستئناف، فقد عُقدت في جلسة سرية دون حضور المتهمين أو محاميهم أو حتى إخطارهم، وتم تأييد الأحكام دون تمكينهم من ممارسة حقهم في الطعن، في انتهاك واضح لمبادئ المحاكمة العادلة.

الأخطر من ذلك، أن العديد من الوقائع المنسوبة إليهما تعود إلى فترة كانا فيها دون سن الثامنة عشرة، ما يجعل محاكمتهما بهذه الصورة مخالفة صريحة لقواعد عدالة الأحداث، التي تلزم بتوفير ضمانات خاصة للأطفال. كما أن الاتهامات المرتبطة بمحاولة السفر للدراسة في الخارج تم تجريمها بصورة غير مبررة، رغم أنها تمثل حقًا أساسيًا مكفولًا بموجب القانون الدولي.

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن احتجاز عمر وسارة لم يكن إجراءً قانونيًا مستقلاً، بل جزءًا من سياسة أوسع تستهدف معاقبة العائلة بأكملها. فقد طالت الاعتقالات والمنع من السفر عشرات الأفراد من أقارب الجبري، في نمط واضح من العقاب الجماعي المحظور دوليًا. كما كشفت وثائق وتقارير صحفية، من بينها ما نشرته نيويورك تايمز، عن رسائل تهديد مباشرة استُخدمت فيها أوضاع الشقيقين كورقة ضغط لإجبار والدهما على العودة إلى المملكة، ما يعزز الطابع السياسي والانتقامي للقضية.

إن استمرار احتجاز عمر وسارة الجبري، في ظل غياب الشفافية وانقطاع الأخبار حول وضعهما، يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام السلطات السعودية لالتزاماتها الدولية، خاصة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر التعذيب وسوء المعاملة، وتلزم بضمان حقوق المحتجزين في التواصل مع العالم الخارجي والحصول على محاكمة عادلة.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن ما تعرض له عمر وسارة الجبري يمثل انتهاكًا صارخًا لمجموعة من الحقوق الأساسية، في مقدمتها الحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في عدم التعرض للعقاب الجماعي. كما تشدد على أن التعامل مع المواطنين، أو مع أفراد عائلات معارضين أو مسؤولين سابقين، كوسيلة للضغط السياسي، يقوّض أسس العدالة وسيادة القانون، ويحوّل النظام القضائي إلى أداة للانتقام بدلًا من كونه أداة لتحقيق العدالة.

بناءً على ما سبق، تطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن عمر وسارة الجبري، ووقف جميع أشكال المضايقات والإجراءات التعسفية بحق أفراد عائلتهما. كما تدعو إلى فتح تحقيق دولي مستقل في ملابسات احتجازهما، وضمان مساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وتعويض الضحايا عن الأضرار التي لحقت بهم.

إن قضية عمر وسارة الجبري ليست مجرد ملف فردي، بل اختبار حقيقي لمدى التزام السلطات السعودية بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان. واستمرار هذا الوضع دون مساءلة يبعث برسالة خطيرة مفادها أن العقاب الجماعي واستخدام الأقارب كرهائن يمكن أن يمر دون محاسبة، وهو أمر لا يمكن القبول به تحت أي ظرف.

Exit mobile version