Site icon Together For Justice

النظام السعودي يعتقل ستة مواطنين بسبب منشورات على الإنترنت في حملة جديدة لخنق الأصوات المستقلة وإسكات الرأي العام

تعرب منظمة معًا من أجل العدالة عن بالغ قلقها إزاء المعلومات المتداولة حول اعتقال ستة أشخاص في السعودية وإحالتهم إلى النيابة العامة بذريعة “نشر محتوى يحرّض على الرأي العام”، وفق ما ورد في بيان هيئة الإعلام المرئي والمسموع. ورغم محاولات السلطات تقديم هذه الإجراءات في إطار “تنظيم المحتوى الرقمي”، إلا أن الواقع يشير بوضوح إلى حملة تستهدف إسكات الأصوات المستقلة على الإنترنت، وإلى توظيف القوانين الإعلامية كأدوات قمعية متجددة تُستخدم ضد المؤثرين والمحامين والناشطين الذين يحظون بتفاعل واسع أو يطرحون قضايا حساسة لا يرغب النظام في تداولها.

وتؤكد المنظمة أن هذه الحملة الأخيرة لم تأتِ بمعزل عن نمط أوسع من التضييق على حرية التعبير، بل تُشكّل امتدادًا لسلسلة طويلة من الملاحقات التي تُجرّم الرأي وتمنع أي مشاركة اجتماعية أو قانونية خارج الإطار الرسمي. وضمن هذه القضية، حصلت المنظمة على معلومات موثوقة حول ثلاثة من المعتقلين الستة، وهي حالات تعكس بوضوح تنوع الفئات المستهدفة ووحدة الهدف خلف هذه الحملة: السيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي ومنع أي صوت مستقل من الوصول للجمهور.

فالمعلومات تشير أولًا إلى اعتقال المؤثر فهد الرويس، الذي يُعد من أبرز صناع المحتوى الذين يناقشون قضايا اجتماعية ويتفاعلون مع الجمهور بشكل واسع. إن وصف محتواه بأنه “تحريض للرأي العام” يكشف مدى هشاشة التهم الموجهة إليه، ويؤكد أن اعتقاله ليس إلا ردًا على تأثيره وانتشاره، وعلى قدرته على طرح موضوعات تخرج عن الخطاب الرسمي، حتى وإن لم يمارس أي نقد مباشر أو دعوة للتصعيد. إن اعتقال الرويس يبعث برسالة خطيرة إلى كل مؤثر رقمي بأن الشعبية والتفاعل قد يشكلان خطرًا في حال لم يكونا تحت السيطرة الكاملة للسلطات.

كما تشير المعلومات إلى اعتقال المحامي سلطان العاطي، وهو ما يكشف جانبًا مختلفًا من الحملة، إذ لم يعد الاستهداف مقتصرًا على المؤثرين أو صناع المحتوى، بل طال كذلك الأصوات القانونية المستقلة. العاطي، بوصفه محاميًا، اعتاد التفاعل مع القضايا العامة ومناقشة المسائل القانونية التي تهم المجتمع، واستهدافه بهذه التهمة الفضفاضة يهدف إلى تعطيل أي صوت قانوني يمكن أن يفسّر الحقائق أو يسلط الضوء على التجاوزات. إن اعتقال مُحامٍ بسبب نشر محتوى، تحت ذريعة “إثارة الرأي العام”، يعكس رغبة صريحة في محاصرة كل من يحاول ممارسة دوره القانوني خارج حدود الرقابة.

ويمتد الاستهداف كذلك ليشمل المؤثر فلاح المسردي، الذي تؤكد التقارير أنه أُوقف ضمن المجموعة نفسها، بعد اتهامه بنشر محتوى اعتُبر موجهًا “لإثارة الرأي العام”. إن استهداف المسردي يوضح أن السلطات باتت تعتبر أي شكل من أشكال النقاش العام — ولو كان اجتماعيًا أو ترفيهيًا — قابلًا للتجريم في حال تجاوز سقفًا غير مُعلن من الحساسية السياسية. وفي السياق ذاته، يبرز هذا الاعتقال كدليل إضافي على أن الهدف من هذه الحملة ليس حماية المجتمع، بل حماية الرواية الرسمية وضبط المجال الرقمي بما يمنع أي تداول حر بين المستخدمين.

إن اعتقال الرويس والعاطي والمسردي، إلى جانب ثلاثة آخرين لم تُكشف تفاصيلهم بعد، يؤكد أن السلطات تستخدم مصطلح “إثارة الرأي العام” كذريعة مطاطة لتبرير الاعتقال التعسفي والتكميم الممنهج لأفواه المواطنين. هذه التهمة، التي لا تستند إلى معيار قانوني واضح، تُعد نموذجًا لسياسة مقصودة تهدف إلى إحكام السيطرة على كل مساحة تعبير، سواء كانت رأيًا قانونيًا أو محتوى اجتماعيًا أو تعليقًا رقميًا حرًا.

وفي ضوء هذه التطورات الخطيرة، تدعو معًا من أجل العدالة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجميع الهيئات المعنية بحرية التعبير وحقوق الإنسان، إلى التدخل العاجل والضغط المباشر على السلطات السعودية للإفراج عن جميع المعتقلين الستة فورًا، وفتح تحقيق مستقل في ظروف توقيفهم، ومحاسبة الجهات التي توظف القانون كغطاء لإسكات الأصوات المدنية. كما تؤكد المنظمة ضرورة وقف استخدام هيئة الإعلام المرئي والمسموع كأداة رقابية عقابية، وفرض التزام واضح باحترام حرية التعبير، وضمان حماية صناع المحتوى والمحامين من الملاحقات التعسفية.

إن اعتقال ستة أشخاص بسبب محتوى رقمي ليس حادثًا فرديًا، بل مؤشر خطير على تراجع إضافي في مساحة الحريات داخل المملكة، وعلى نظام يسعى إلى احتكار كل ما يُقال ويُكتب ويُناقش على الإنترنت. وتؤكد المنظمة أنها ستواصل متابعة هذه القضية وغيرها، وستعمل على إبقاء الضوء مسلطًا على جميع الحالات لمنع دفنها في الصمت الرسمي.

Exit mobile version