في سبتمبر/أيلول 2017، دشّنت السلطات السعودية واحدة من أوسع حملات القمع التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. لم تستهدف الحملة جماعة مسلحة أو أشخاصًا متهمين بارتكاب أعمال عنف، بل طالت عشرات الدعاة والأكاديميين والمفكرين والاقتصاديين والإعلاميين والكتّاب؛ لأنهم عبّروا عن آراء مستقلة، أو دعوا إلى الإصلاح، أو امتنعوا عن إعلان الولاء الكامل للسياسات الرسمية.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، تحل الذكرى التاسعة لتلك الحملة، بينما لا يزال عدد من أبرز ضحاياها خلف القضبان. بعضهم محتجز من دون حكم نهائي معلن، وبعضهم يواجه أحكامًا قاسية أو مطالبات بالإعدام، فيما يقضي آخرون سنوات طويلة في السجن بسبب تغريدات أو آراء دينية وفكرية واقتصادية لم تتضمن أي دعوة إلى العنف.
وبحسب رأي قانوني قُدّم ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل للأمم المتحدة، تجاوز عدد الذين اعتُقلوا خلال حملة سبتمبر 2017 ستين شخصًا، وخلصت مراجعة حالاتهم إلى أن الاعتقالات كانت تعسفية. كما وثّقت منظمة العفو الدولية استهداف الحملة لما وصفته بالبقايا الأخيرة لحرية التعبير في المملكة، في حين اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن اعتقالات سبتمبر شكّلت بداية سلسلة من الحملات التي استهدفت منتقدي السياسات الحكومية والأصوات المستقلة.
حملة لمعاقبة الصمت قبل معاقبة الكلام
جاءت الاعتقالات بعد أقل من ثلاثة أشهر على تولّي محمد بن سلمان ولاية العهد، وفي ذروة الأزمة الخليجية وحصار قطر. وفي ذلك الوقت، لم يكن المطلوب من الشخصيات العامة مجرد الامتناع عن انتقاد سياسة الدولة، بل الانخراط العلني في تأييدها. لذلك بدا أن الصمت نفسه تحوّل إلى جريمة، وأن كل من رفض المشاركة في خطاب التحريض أو احتفظ بموقف مستقل أصبح موضع اشتباه.
وبينما زعمت السلطات أن المعتقلين عملوا لمصلحة «جهات خارجية» أو هدّدوا أمن الدولة، لم تقدم أدلة علنية تثبت ارتكابهم جرائم عنيفة. وعلى العكس، كشفت لوائح الاتهام والمعلومات المتاحة عن المحاكمات أن جانبًا كبيرًا من الملاحقات استند إلى تغريدات، ورسائل عبر تطبيق «واتساب»، وعضوية جمعيات، وكتابات فكرية، واتصالات صحفية، وتعبير سلمي عن الرأي.
وهكذا تحولت قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم المعلوماتية، إلى جانب المحكمة الجزائية المتخصصة التي أُنشئت أساسًا للنظر في قضايا الإرهاب، إلى أدوات لمعاقبة الخطاب السلمي وتجريم الاستقلال الفكري.
سلمان العودة: دعاء للمصالحة قاده إلى السجن
يُعد الشيخ الدكتور سلمان العودة أبرز معتقلي حملة سبتمبر. فقد ألقت السلطات القبض عليه في 9 سبتمبر/أيلول 2017، عقب نشره تغريدة دعا فيها إلى «تأليف القلوب» بعد تقارير عن احتمال التوصل إلى انفراج في الأزمة بين السعودية وقطر.
لم تتضمن التغريدة انتقادًا مباشرًا للسلطات أو تحريضًا على العنف؛ بل كانت دعاءً بالمصالحة. لكن ذلك لم يمنع اعتقاله من دون أمر قضائي وإخفاء مكانه عن أسرته لأشهر.
تعرض العودة، وفق التقارير الحقوقية، للحبس الانفرادي المطول، والحرمان من التواصل المنتظم مع أسرته، وعدم الحصول على الرعاية الطبية الكافية. كما تدهورت صحته، وأفادت أسرته بإصابته بضعف في السمع والبصر نتيجة ظروف احتجازه.
وفي سبتمبر/أيلول 2018، بدأت محاكمته أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، ووجّه الادعاء العام إليه عشرات التهم وطالب بإعدامه. ولم تستند القضية إلى فعل عنيف، بل إلى مواقفه الفكرية وعلاقاته وكتاباته وتغريداته، بما في ذلك موقفه من الأزمة الخليجية ودعواته السابقة إلى الإصلاح السياسي.
ومنذ يوليو/تموز 2021، ظلت محاكمته معلقة من دون حسم نهائي، ليجد نفسه عالقًا بين احتجاز مفتوح ومطالبة سابقة بإزهاق حياته. وبعد تسع سنوات، لا يزال أحد أشهر علماء السعودية محتجزًا لأن صوته لم يكن مطابقًا للصوت الرسمي.
عوض القرني: حسابات التواصل والرسائل الخاصة بوصفها أدلة اتهام
اعتُقل الأكاديمي والداعية الدكتور عوض القرني في سبتمبر/أيلول 2017. وهو أستاذ جامعي سابق وكاتب له حضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وعُرف بمواقفه المؤيدة لبعض مطالب الإصلاح وانتقاده حملات الاعتقال والمنع من السفر.
كشفت وثائق قضيته أن السلطات تعاملت مع امتلاكه حسابًا على منصة «إكس»، وإعادة نشر المواد، واستخدام تطبيقي «واتساب» و«تلغرام»، بوصفها أدلة جنائية. وطالب الادعاء العام بإعدامه، رغم أن الوقائع المنشورة في ملفه ترتبط أساسًا بتعبيره السلمي ونشاطه الرقمي، لا بارتكاب أعمال عنف.
وفي عام 2023، أصدر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي رأيًا خلص فيه إلى أن حرمان القرني من حريته تعسفي ومخالف للقانون الدولي، ودعا إلى إطلاق سراحه واتخاذ الإجراءات اللازمة لجبر الضرر الواقع عليه.
لكن السلطات السعودية واصلت احتجازه، وبقي خطر الحكم القاسي أو الإعدام مخيمًا على قضيته، في مثال صارخ على إمكانية تحويل أبسط وسائل الاتصال الحديثة إلى مواد اتهام عندما يكون صاحبها غير خاضع بالكامل لإرادة السلطة.
علي العمري: إعلامي يواجه عقوبة الموت بسبب نشاط سلمي
اعتقلت قوات أمن مسلحة الدكتور علي العمري خلال مداهمة منزله في 9 سبتمبر/أيلول 2017. والعمري إعلامي وداعية أسس قناة «فور شباب»، وقدم برامج ركزت على قضايا الشباب والقيم الدينية والاجتماعية.
واجه العمري أكثر من ثلاثين تهمة، من بينها اتهامه بتأسيس «منظمة شبابية إرهابية»، بينما ارتبطت الأنشطة التي عُرف بها في المجال العام بالإعلام والعمل الشبابي والدعوي. وطالب الادعاء العام بإعدامه، وسط غموض شديد أحاط بإجراءات محاكمته ومصيره القضائي.
وتشير المعلومات الحقوقية المتاحة إلى تعرضه لانتهاكات جسيمة في الاحتجاز، من بينها الحبس الانفرادي، وسوء المعاملة، والحرمان من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. وحتى أحدث المعلومات المنشورة، لم يصدر إعلان رسمي شفاف يوضح الحكم النهائي في قضيته، رغم تقارير غير مؤكدة عن صدور حكم بالإعدام.
إن إبقاء إنسان وعائلته لسنوات أمام احتمال الموت، من دون شفافية قضائية أو إعلان واضح للحكم، ليس إجراءً قضائيًا طبيعيًا؛ بل صورة من صور التعذيب النفسي والاحتجاز التعسفي الممتد.
حسن فرحان المالكي: الاختلاف الفكري تحت طائلة الإعدام
في 11 سبتمبر/أيلول 2017، اعتقلت السلطات الباحث والمفكر الإسلامي حسن فرحان المالكي من منزله من دون إبراز أمر قضائي. وعُرف المالكي بقراءاته النقدية للتراث الديني، ورفضه للتعصب المذهبي، ودعوته إلى مراجعة بعض الأفكار السائدة ونبذ خطاب الكراهية.
وبدلًا من حماية حقه في البحث والتعبير، حوّلت السلطات آراءه الدينية والفكرية إلى ملف أمني. وشملت التهم الموجهة إليه مؤلفاته، ومقابلاته، وتغريداته، ومشاركته في نقاشات عامة، وطالب الادعاء العام بإعدامه.
وتكشف قضيته أن حملة سبتمبر لم تستهدف اتجاهًا فكريًا واحدًا؛ فقد طالت دعاة وأكاديميين وإصلاحيين ومفكرين ذوي رؤى متباينة. وما جمع بينهم لم يكن الانتماء إلى مشروع سياسي موحد، وإنما احتفاظ كل منهم بمساحة من الاستقلال عن السلطة.
إن المطالبة بإعدام باحث بسبب اجتهاداته وكتاباته تمثل انتهاكًا بالغًا لحرية الفكر والضمير والتعبير، وتبعث برسالة ترهيب إلى كل أكاديمي أو مفكر قد يفكر في طرح قراءة مختلفة عن الخطاب المعتمد رسميًا.
عصام الزامل: حين أصبحت الأرقام الاقتصادية جريمة
كان عصام الزامل رجل أعمال وخبيرًا اقتصاديًا معروفًا بتحليلاته المتخصصة. شارك ضمن وفد سعودي في مؤتمر اقتصادي بالولايات المتحدة، لكنه اعتُقل فور عودته إلى المملكة في 12 سبتمبر/أيلول 2017.
قبل اعتقاله، كان الزامل قد نشر تحليلات تنتقد التقييم المعلن لشركة أرامكو وخطة طرح جزء منها للاكتتاب، محذرًا من المخاطر الاقتصادية ومشككًا في بعض الأرقام الرسمية المرتبطة بالمشروع. لم يكن يحمل سلاحًا ولم يدعُ إلى العنف؛ كانت أدواته الأرقام والتحليل الاقتصادي.
اتهمته السلطات، من بين أمور أخرى، بالسعي إلى إثارة الفتنة عبر منصة «إكس»، والتواصل مع جهات أجنبية، والانتماء إلى جماعة محظورة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا بسجنه خمسة عشر عامًا، عقب محاكمة افتقرت، بحسب منظمات حقوقية، إلى معايير العدالة والشفافية.
قضية الزامل توضح بجلاء أن القمع لم يكن موجهًا إلى الدعاة وحدهم؛ فقد امتد إلى الخبراء الذين امتلكوا المعرفة اللازمة لمساءلة السياسات الاقتصادية وكشف نقاط ضعفها. وفي دولة ترفع شعار التحول الاقتصادي، انتهى الأمر بخبير اقتصادي في السجن لأنه مارس الوظيفة الأساسية للخبير: فحص الأرقام وطرح الأسئلة.
محمد موسى الشريف: عالم ومؤرخ تحوّل إلى سجين رأي
اعتُقل الدكتور محمد موسى الشريف في سبتمبر/أيلول 2017 ضمن الحملة ذاتها. وهو أستاذ جامعي وطيار سابق وباحث له عشرات المؤلفات والمحاضرات في التاريخ والسيرة والتربية والفكر الإسلامي.
ظل الشريف لفترة طويلة محرومًا من محاكمة علنية تستوفي ضمانات العدالة. وأظهرت صور وتقارير من جلسات محاكمته علامات المرض والإرهاق عليه، وسط مخاوف متكررة بشأن وضعه الصحي وظروف احتجازه.
وبعد محاكمة سرية أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، صدر بحقه حكم بالسجن، ثم وردت معلومات حقوقية عن تغليظ العقوبة في مرحلة الاستئناف. وبصرف النظر عن التضارب الذي تسببه السرية الرسمية بشأن مدة الحكم، فإن الثابت أنه أمضى تسع سنوات خلف القضبان على خلفية آرائه ونشاطه الفكري والدعوي، لا بسبب جريمة عنيفة مثبتة في محاكمة علنية عادلة.
إن الغموض المحيط بالحكم نفسه جزء من الانتهاك؛ فحرمان المجتمع والأسرة من المعلومات الدقيقة، وإدارة المحاكمات خلف الأبواب المغلقة، يجعلان المعتقل رهينة لإجراءات لا تخضع للمساءلة العامة.
مبارك بن زعير: تسع سنوات بلا حكم واضح ومعلن
يمثل الدكتور مبارك بن زعير، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجهًا آخر للمأساة. اعتُقل في خضم الحملة الموسعة التي بدأت في سبتمبر 2017، وظل محتجزًا طوال تسع سنوات من دون إعلان حكم قضائي واضح بحقه.
وتشير المعلومات المتاحة إلى إخضاعه لمحاكمة سرية بدأت عام 2018، من دون تمكين الرأي العام أو المنظمات المستقلة من الاطلاع على التهم والأدلة ومسار القضية. كما سبق لفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي أن تناول قضيته واعتبر أن اعتقاله لا يستند إلى أساس قانوني.
إبقاء أستاذ جامعي خلف القضبان قرابة عقد كامل من دون حكم معلن لا يمكن تبريره بمقتضيات العدالة أو الأمن. إنه احتجاز مفتوح يهدر قرينة البراءة، ويحوّل غياب الحكم إلى عقوبة أشد من الحكم نفسه.
الإصلاح على السطح والقمع في الجوهر
خلال السنوات التسع الماضية، استثمرت السلطات السعودية موارد هائلة في تقديم المملكة بوصفها دولة متحولة. واستُخدمت المهرجانات الترفيهية، والفعاليات الرياضية الدولية، والمشروعات الثقافية، والتطويرات التي تُقدّر بمليارات الدولارات، للترويج لصورة الحداثة والانفتاح.
لكن الانفتاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الفعاليات التي تستضيفها دولة، ولا بالمشاهير الذين تجذبهم، ولا بحجم حملات العلاقات العامة. وإنما يُقاس بما إذا كان الناس يستطيعون التعبير عن آرائهم من دون الخوف من الاعتقال، أو الاختفاء، أو التعذيب، أو المحاكمة أمام محكمة لمكافحة الإرهاب.
لا يمكن أن يكون هناك ادعاء موثوق بالإصلاح بينما يظل المصلحون والمفكرون والأكاديميون خلف القضبان. ولا يمكن الاحتفال بتحول اقتصادي بينما يُسجن اقتصادي لأنه شكك في تقييم اقتصادي. ولا يمكن أخذ الخطاب الرسمي حول الاعتدال على محمل الجد بينما يواجه العلماء الإعدام بسبب كتب، وتغريدات، ورسائل خاصة.
لقد حلم معتقلو سبتمبر بوطن أكثر عدلًا وحرية، يستطيع فيه المواطنون تقديم النصح، والانتقاد، والاختلاف من دون الخوف من مداهمة منازلهم أو قضاء سنوات في الاختفاء والسجن. وبدلًا من ذلك، أمضوا تسع سنوات تحت مطرقة القمع وعلى سندان الاضطهاد، بينما ضُحّي بحريتهم للحفاظ على صورة دولية مصممة بعناية.
لم تكن اعتقالات سبتمبر حدثًا معزولًا انتهى بنهاية ذلك الشهر، بل أعلنت عن معادلة سياسية جديدة: قد يُمنح المواطنون الترفيه، لكن ليس المشاركة الحقيقية؛ وقد يُسمح لهم بالاستهلاك، لكن ليس بالاعتراض؛ وقد يحتفلون بالقرارات الرسمية، لكن لا يحق لهم مساءلة من اتخذها.
في الذكرى التاسعة لحملة سبتمبر، تؤكد منظمة «معًا من أجل العدالة» أن استمرار سجن المنتقدين السلميين لا يمكن محوه بمرور الزمن، وأن التحديث الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يحل محل احترام الحقوق والحريات الأساسية.
وتدعو منظمة «معًا من أجل العدالة» المجتمع الدولي للضغط على السلطات السعودية لـ:
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن كل من احتُجز لمجرد ممارسته السلمية لحقوقه في حرية التعبير، والفكر، والضمير، والدين.
- سحب جميع طلبات الإعدام وإلغاء الأحكام القائمة على تغريدات، أو كتابات، أو اتصالات خاصة، أو أنشطة سلمية أخرى.
- الكشف عن مكان كل شخص اعتُقل خلال حملة سبتمبر، ووضعه القانوني، وظروف احتجازه.
- فتح تحقيق مستقل في ادعاءات التعذيب، والحبس الانفرادي المطوّل، والاختفاء القسري، والحرمان من الرعاية الطبية، وتقييد الوصول إلى الأسر والمحامين.
- إلغاء الأحكام التي صدرت بعد إجراءات سرية أو غير عادلة بصورة جوهرية.
- تقديم تعويض مناسب لضحايا الاحتجاز التعسفي، واستعادة حقوقهم وسمعتهم.
بعد تسع سنوات، لم تعد السلطات السعودية قادرة على تصوير هذه الاعتقالات بوصفها إجراءات مؤقتة تقتضيها التحقيقات. لقد أصبح الزمن نفسه دليلًا على الظلم.
وكل ذكرى يقضيها المعتقلون خلف القضبان هي تذكير إضافي بأن الإصلاح الذي تروّج له السعودية في الخارج لم يصل بعد إلى المكان الذي يحتاج إليه بصورة أكثر إلحاحًا: أبواب سجونها.

