Site icon Together For Justice

ثماني سنوات على اعتقال سفر الحوالي وأبنائه ومدير مكتبه… عقاب جماعي ممتد وإهمال طبي يهدد حياتهم داخل السجون السعودية

سفر الحوالي

سفر الحوالي

تجدد منظمة “معًا من أجل العدالة” إدانتها لاستمرار احتجاز الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي، وأبنائه، وعدد من المقربين منه، ومن بينهم مدير مكتبه الدكتور إسماعيل الحسن، بعد مرور ثماني سنوات على اعتقالهم ضمن حملة يوليو/تموز 2018 التي استهدفت الشيخ وعائلته ومحيطه الشخصي والمهني، في نموذج واضح لسياسة العقاب الجماعي التي تمارسها السلطات السعودية ضد أصحاب الرأي ومن يرتبطون بهم.

لم تكن قضية الشيخ سفر الحوالي مجرد اعتقال فردي لداعية وأكاديمي معروف بسبب آرائه، بل تحولت منذ بدايتها إلى عملية انتقام واسعة طالت أبناءه وشقيقه ومدير مكتبه، في رسالة مفادها أن السلطة لا تعاقب صاحب الرأي وحده، بل تمتد إلى عائلته ودائرته القريبة لإسكاته وكسر إرادته وعزله اجتماعيًا ومهنيًا.

اعتُقل الشيخ الحوالي، وهو في حالة صحية حرجة، بعد نشر كتابه “المسلمون والحضارة الغربية”، الذي تضمن انتقادات لسياسات ولي العهد محمد بن سلمان، ولتوجهات الأنظمة المتحالفة مع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة. ومنذ اعتقاله، ظل محرومًا من الرعاية الطبية اللازمة رغم تقدمه في السن ومعاناته من أوضاع صحية خطيرة، من بينها كسر في الحوض، وسكتة دماغية سابقة، ومشكلات كلوية حادة جعلته في حاجة دائمة إلى متابعة طبية متخصصة، خاصة بعد أن تبرع له ابنه عبد الله بإحدى كليتيه.

إن استمرار احتجاز الشيخ سفر الحوالي في ظل هذه الظروف الصحية لا يمكن فصله عن نمط الإهمال الطبي المتعمد الذي يُستخدم داخل السجون السعودية كوسيلة للعقاب البطيء بحق معتقلي الرأي. فالسلطات لا تكتفي بسلب الحرية، بل تترك المرض يتحول إلى أداة ضغط وتنكيل، بما يعرّض حياة المحتجزين للخطر ويضع المسؤولية الكاملة على عاتق الدولة.

ولم تتوقف الانتهاكات عند الشيخ نفسه، بل امتدت إلى أبنائه بصورة تعكس طبيعة القضية كعقاب جماعي. فقد اعتُقل عدد من أبنائه وشقيقه في عمليات مداهمة، وتعرضوا للاختفاء القسري والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية، قبل أن تصدر بحقهم أحكام قاسية في محاكمات افتقرت إلى الشفافية والاستقلالية.

وبحسب المعلومات المتاحة، تم الحكم على عبد الرحمن الحوالي بالسجن 17 عامًا بعد أن كانت عقوبته 7 سنوات، كما رُفعت عقوبة عبد الله الحوالي إلى 16 عامًا، وعبد الرحيم الحوالي إلى 15 عامًا، بينما صدر حكم بالسجن 14 عامًا بحق شقيق الشيخ سعد الله الحوالي. هذه الأحكام لا تعكس مسارًا قضائيًا عادلًا، بل تكشف استخدام القضاء كأداة لتصفية الحسابات مع عائلة كاملة بسبب موقف فكري وسياسي منسوب إلى أحد أفرادها.

وتزداد خطورة القضية مع تدهور الوضع الصحي لعدد من أفراد الأسرة داخل السجن، وعلى رأسهم عبد الرحمن الحوالي، الذي يعاني من وضع صحي حساس بعد تبرعه بإحدى كليتيه لوالده، ما يجعله بحاجة إلى نظام غذائي خاص ورعاية طبية منتظمة. ومع ذلك، تشير المعلومات المتداولة إلى تعرضه للإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الكافية، في سلوك انتقامي لا يمكن فهمه إلا ضمن سياسة التنكيل بالعائلة بأكملها.

إن ما جرى مع أبناء الشيخ الحوالي ينسف مبدأ المسؤولية الفردية، ويؤكد أن السلطات السعودية تتعامل مع العائلة بوصفها امتدادًا لصاحب الرأي، لا كأفراد مستقلين لهم حقوق قانونية وإنسانية. وهذا النمط من العقاب بالقرابة يمثل انتهاكًا واضحًا لمبادئ العدالة، ويحوّل السجن إلى أداة لإخضاع العائلات لا لمعاقبة أفعال محددة.

وفي السياق نفسه، تمثل قضية الدكتور إسماعيل الحسن، مدير مكتب الشيخ سفر الحوالي، جانبًا آخر من سياسة العقاب الجماعي، لكنها هذه المرة عبر العلاقة المهنية. فقد اعتُقل الحسن عام 2018 ضمن الحملة نفسها التي استهدفت الشيخ ومحيطه، لا بسبب فعل جنائي معلن أو تهمة واضحة للرأي العام، بل بسبب عمله مديرًا لمكتبه وارتباطه المهني به.

لاحقًا، صدر بحق الدكتور إسماعيل الحسن حكم بالسجن لمدة عشر سنوات، في قضية تثير تساؤلات جدية حول الأساس القانوني لاعتقاله ومحاكمته. فالمعلومات المتاحة لا تشير إلى إعلان واضح عن أفعال جنائية محددة ارتكبها، ولا إلى إجراءات قضائية شفافة توضح الأدلة والتهم، ما يجعل قضيته مثالًا صارخًا على معاقبة الأفراد بسبب صلاتهم المهنية أو الشخصية بشخصيات مستهدفة سياسيًا.

إن اعتقال مدير مكتب بسبب طبيعة عمله مع شخصية دينية وفكرية معارضة أو مستقلة يوسع دائرة القمع من صاحب الرأي إلى كل من يقترب منه: أبناؤه، أشقاؤه، مساعدوه، ومديرو مكاتبه. وهذا النمط لا يستهدف الأفراد فقط، بل يهدف إلى خلق عزلة كاملة حول كل شخصية مستقلة، بحيث يخشى الناس من العمل معها أو التواصل معها أو دعمها، خوفًا من أن يتحول القرب منها إلى تهمة.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن قضية الشيخ سفر الحوالي وأسرته ومدير مكتبه تكشف وجهًا شديد الخطورة من القمع في السعودية؛ فالمسألة لم تعد مقتصرة على اعتقال صاحب الرأي، بل امتدت إلى استخدام العائلة والعلاقات المهنية كوسيلة ضغط. وهذه الممارسة تمثل عقوبة جماعية محرمة، وتخالف جوهر القانون الدولي الذي يقوم على المسؤولية الفردية، لا على الانتقام من المحيط العائلي والاجتماعي والمهني.

ومن الناحية القانونية، فإن ما تعرض له الشيخ سفر الحوالي وأبناؤه ومدير مكتبه يشمل مجموعة من الانتهاكات المركبة: الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري، الحرمان من ضمانات المحاكمة العادلة، الإهمال الطبي، التعذيب وسوء المعاملة، وتوسيع دائرة العقاب لتشمل أفرادًا لم تثبت بحقهم أفعال جنائية واضحة. كما أن استمرار احتجازهم رغم تدهور أوضاعهم الصحية يشكل خطرًا مباشرًا على حياتهم ويحمّل السلطات السعودية كامل المسؤولية عن أي مضاعفات أو وفيات قد تقع داخل السجن.

إن مرور ثماني سنوات على هذه القضية دون إنصاف أو محاسبة يعكس مدى تغول القمع داخل السعودية، حيث يُعاقب المفكر على كتاب، ويُعاقب الأبناء على صلة الدم، ويُعاقب مدير المكتب على علاقة العمل. هكذا تتحول العدالة إلى أداة انتقام، ويتحول السجن إلى وسيلة لتدمير العائلات وتفكيك محيط أصحاب الرأي.

وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الشيخ الدكتور سفر الحوالي، وأبنائه، وشقيقه، ومدير مكتبه الدكتور إسماعيل الحسن، وجميع من اعتُقلوا على خلفية هذه القضية أو بسبب ارتباطهم به.

كما تطالب المنظمة بنقل الشيخ الحوالي فورًا إلى مستشفى متخصص لتلقي الرعاية الطبية العاجلة، وضمان حصول أبنائه، وخاصة عبد الرحمن الحوالي، على الرعاية الصحية المناسبة، وإلغاء الأحكام الجائرة الصادرة بحق أفراد العائلة ومدير المكتب، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي تعرضوا لها منذ اعتقالهم.

وتدعو المنظمة الأمم المتحدة، والمقررين الخاصين المعنيين بالاحتجاز التعسفي والتعذيب وحرية الرأي والتعبير، إلى التدخل العاجل في هذه القضية، والضغط على السلطات السعودية لوقف سياسة العقاب الجماعي بحق أسر معتقلي الرأي ومحيطهم المهني.

إن قضية الشيخ سفر الحوالي ليست مجرد قضية اعتقال قديمة، بل جريمة ممتدة منذ ثماني سنوات، جمعت بين القمع السياسي، والعقاب العائلي، والتنكيل الصحي، واستهداف العلاقات المهنية. وبعد كل هذه السنوات، يبقى السؤال قائمًا: أي عدالة هذه التي تسجن شيخًا مريضًا، وتعاقب أبناءه، وتزج بمدير مكتبه في السجن، فقط لأن كلمة مستقلة أزعجت السلطة؟

Exit mobile version