تذكّر منظمة “معًا من أجل العدالة” بقضية الشيخ الدكتور رشيد بن حسن الألمعي، الأستاذ بكلية أصول الدين في جامعة الملك خالد بأبها، المعتقل منذ يوليو/تموز 2021، والمحكوم عليه بالسجن تسع سنوات والمنع من السفر لمدة مماثلة، في قضية تكشف استمرار استهداف الأكاديميين والعلماء وأصحاب الرأي داخل السعودية بتهم واهية لا تستند إلى أي فعل جنائي حقيقي.
وتزداد خطورة قضيته مع المعلومات المتداولة عن تعرضه لانتهاكات داخل السجن، أفضت إلى تدهور شديد في حالته الصحية والنفسية، وصل إلى فقدان شبه كامل للذاكرة، بما يضع السلطات السعودية أمام مسؤولية مباشرة عن سلامته وحياته وحقه في الرعاية الطبية والإنسانية.
اعتُقل الدكتور رشيد الألمعي في 8 يوليو/تموز 2021، على خلفية أمور تعود إلى سنوات سابقة، من بينها مشاركته عام 2013 في ندوة مرخصة بعنوان “الحرية بين الشعار والحقيقة”، عُقدت في منزل الدكتور عوض القرني، إضافة إلى حيازته كتابًا دينيًا بعنوان “من هدي الإسلام: فتاوى معاصرة”. وهذه الوقائع، بطبيعتها، لا تشكل جريمة، ولا يمكن اعتبارها أساسًا مشروعًا لاعتقال أكاديمي أو الحكم عليه بالسجن لسنوات طويلة.
وأثناء مسار محاكمته، جرى التعامل مع مشاركته في ندوة فكرية قديمة وحيازته كتابًا فقهيًا معروفًا باعتبارهما أدلة إدانة، في ما يعكس طبيعة المحاكمات السياسية التي لا تبحث عن جريمة بقدر ما تبحث عن مبرر لمعاقبة الفكر المستقل. فبدل أن تُحترم حرية البحث والحوار والمشاركة الأكاديمية، جرى تحويلها إلى ملف أمني ينتهي بحكم قاسٍ بالسجن والمنع من السفر.
إن قضية رشيد الألمعي تكشف كيف تتعامل السلطات السعودية مع المجال الفكري والديني بوصفه مساحة يجب ضبطها بالكامل. فالأستاذ الجامعي الذي يشارك في نقاش فكري أو يحتفظ بكتاب ديني لا يفترض أن يجد نفسه في السجن، ولا أن يُحاكم كما لو أن التفكير أو القراءة أو الحوار تهديد للأمن العام.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن الحكم الصادر بحقه بالسجن تسع سنوات لا يعبر عن عدالة، بل عن عقوبة سياسية ضد أكاديمي لم يُتهم بارتكاب فعل عنيف أو تحريضي، بل بممارسة أنشطة فكرية وسلمية. كما أن المنع من السفر لمدة مماثلة بعد انتهاء الحكم يمثل امتدادًا للعقوبة ومحاولة لعزل المعتقل حتى بعد خروجه من السجن.
وتضاعف الانتهاكات داخل السجن من خطورة القضية. فإصابة الدكتور رشيد الألمعي بفقدان شبه كامل للذاكرة، وفق المعلومات المتوفرة، لا يمكن التعامل معها كأمر عابر، بل كإنذار خطير بشأن ظروف احتجازه وما يتعرض له من إهمال أو سوء معاملة أو حرمان من الرعاية الطبية المناسبة. إن أي تدهور صحي بهذا الحجم داخل السجن يحمّل الدولة المحتجزة مسؤولية قانونية مباشرة، خاصة إذا لم تُتخذ إجراءات طبية عاجلة ومستقلة.
ومن الناحية القانونية، فإن اعتقاله ومحاكمته بسبب مشاركة فكرية قديمة وحيازة كتاب، ثم احتجازه في ظروف أدت إلى تدهور خطير في قدراته الذهنية، يشكل انتهاكًا مركبًا لحرية الرأي والتعبير، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في الصحة، والحماية من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
وتأتي قضية الألمعي ضمن سياق أوسع من استهداف العلماء والدعاة والأكاديميين في السعودية، حيث تحولت المحاكمات إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجال الديني والفكري وفق الخط الرسمي، وإقصاء كل صوت مستقل أو غير خاضع بالكامل للسلطة. وفي هذا السياق، لا يُعاقب الأشخاص فقط على ما قالوه، بل أحيانًا على حضورهم، وقراءاتهم، وعلاقاتهم الفكرية، وحتى على مشاركات مرّ عليها سنوات طويلة.
وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة الشيخ الدكتور رشيد بن حسن الألمعي الجسدية والنفسية، وتطالب بالكشف عن وضعه الصحي الحالي، وتمكينه من الحصول على فحص طبي مستقل ورعاية عاجلة، والسماح لأسرته ومحاميه بالتواصل المنتظم معه.
كما تطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقه، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي تعرض لها داخل السجن والتي أدت إلى تدهور حالته وفقدانه شبه الكامل للذاكرة، ومحاسبة المسؤولين عن أي إهمال طبي أو سوء معاملة.
إن استمرار سجن رشيد الألمعي يثبت أن السلطات السعودية لا تزال تتعامل مع الفكر بوصفه خطرًا، ومع الأكاديميين بوصفهم خصومًا محتملين، ومع الحوار بوصفه جريمة. أما ما تعرض له من تدهور صحي خطير، فهو يذكّر بأن العقوبة في قضايا الرأي لا تنتهي عند الحكم بالسجن، بل تمتد إلى الجسد والذاكرة والكرامة الإنسانية.

