Site icon Together For Justice

سمعة السعودية في الحضيض رغم التلميع العالمي: تقرير حقوقي يكشف دولة تُدار بالقمع والتهجير والاستغلال

Saudi Arabia

Saudi Arabia

في ضوء ما ورد في تقرير هيومن رايتس ووتش حول تقييم الوضع الحقوقي في السعودية لعام 2025، يتضح أن كل محاولات التلميع السياسي والإعلامي التي تقودها السلطات السعودية لم تنجح في تغيير الحقيقة الأساسية: سمعة المملكة الحقوقية لا تزال في الحضيض، بل تتدهور، بفعل نمط ممنهج من الانتهاكات الجسيمة التي تمس جوهر سيادة القانون وحقوق الإنسان الأساسية.

يُظهر التقرير بوضوح أن تركّز السلطة السياسية والاقتصادية بيد ولي العهد محمد بن سلمان لم يؤدِّ إلى “إصلاحات” حقيقية، بل رسّخ نموذجًا سلطويًا مغلقًا تُستخدم فيه أدوات الدولة الاقتصادية والأمنية لإسكات المجتمع وإعادة هندسة المجال العام بالقوة. ويتجلّى ذلك بشكل خاص في الدور الذي يلعبه صندوق الاستثمارات العامة، الذي لم يعد مجرد أداة اقتصادية، بل تحوّل إلى ذراع سياسية تُموِّل مشاريع قائمة على الانتهاك، وتستفيد من القمع، وتُستخدم في الوقت نفسه لتبييض سجل حقوقي متدهور عبر الرياضة والترفيه والاستثمارات الدولية.

يوثّق التقرير أن الصندوق سهّل واستفاد مباشرة من انتهاكات خطيرة، بدءًا من حملة “مكافحة الفساد” عام 2017 التي اتسمت بالاعتقال التعسفي والابتزاز المالي، وصولًا إلى مشاريع ضخمة قامت على الطرد القسري وهدم الأحياء وإسكات المجتمعات المحلية. في نيوم، جرى تهجير أفراد من قبيلة الحويطات بالقوة، واعتُقل من اعترض، وقُتل أحد المحتجين، فيما صدرت أحكام قاسية بالسجن والإعدام بحق من تصدّوا لعمليات الإخلاء. وفي جدة، أُخليت أحياء كاملة يسكنها سعوديون من الطبقة المتوسطة والدنيا وعمال وافدون، لتحويلها إلى مشاريع نخبوية تخدم السياحة ورأس المال، لا السكان.

وعلى المستوى الدولي، تُستخدم استثمارات الصندوق في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها كأداة نفوذ سياسي و”قوة ناعمة”، تصل حدّ فرض قيود تعاقدية تمنع انتقاد سجل حقوق الإنسان السعودي، كما حدث في اتفاقيات رياضية بارزة. هذا الاستخدام السياسي للمال العام يعكس بوضوح أن الهدف ليس التنمية، بل إعادة صياغة صورة النظام خارجيًا مع استمرار القمع داخليًا.

في ما يتعلق بالحريات العامة، يكشف التقرير عن استمرار الحملة الشرسة على حرية التعبير، خصوصًا عبر الإنترنت. تُستخدم المحاكم المتخصصة وقوانين مكافحة الإرهاب لمحاكمة مدرسين وأكاديميين ونشطاء بسبب منشورات سلمية، مع أحكام طويلة وقاسية لا يمكن فصلها عن سياسة الترهيب وإغلاق أي هامش للنقاش العام. هذه الممارسات لا تمثل تجاوزات فردية، بل سياسة ثابتة تهدف إلى تجريم الرأي وتحويل التعبير السلمي إلى “جريمة أمنية”.

أما أوضاع العمال الوافدين، فيصفها التقرير بأنها انتهاكات واسعة النطاق وممنهجة، تُسهِّلها بنية قانونية قائمة على نظام الكفالة الذي يمنح أصحاب العمل سيطرة شبه مطلقة على حياة العمال. ورغم أن العمال يشكّلون نحو 42% من سكان البلاد، فإن السلطات تفشل بشكل منهجي في حمايتهم، وتمنعهم من التنظيم أو التفاوض الجماعي. وتكتسب هذه الانتهاكات خطورة إضافية في ظل مشاريع كبرى واستحقاقات دولية، أبرزها استضافة كأس العالم 2034، التي سبقتها شكاوى رسمية لمنظمة العمل الدولية بشأن ظروف العمل الاستغلالية.

ولا يقلّ الوضع خطورة في ملف طالبي اللجوء والمهاجرين، حيث يوثّق التقرير عمليات قتل جماعي لمهاجرين إثيوبيين على الحدود الجنوبية، في وقائع قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها نُفذت كجزء من سياسة حكومية. هذا الملف وحده كافٍ لنسف أي ادعاء رسمي بالالتزام بالقانون الدولي أو المعايير الإنسانية.

ويكشف التقرير أيضًا أن نظام العدالة الجنائية نفسه بات أداة للقمع، لا للحماية، من خلال قوانين فضفاضة تتيح الاعتقال والاحتجاز دون رقابة قضائية حقيقية، ومحاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة. ويتجلى ذلك بوضوح في استمرار إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، بما في ذلك بحق أشخاص ارتُكبت الأفعال المنسوبة إليهم وهم أطفال، في تناقض صارخ مع التعهدات الرسمية والالتزامات الدولية.

حتى في المجال الرقمي، حيث تسعى السعودية لتقديم نفسها كفاعل عالمي “حديث”، تكشف استضافة منتديات دولية عن تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة. فاستضافة فعاليات دولية تُرفع فيها شعارات الحقوق والإدماج الرقمي، تتزامن مع اعتقال وسجن أشخاص بسبب تعبيرهم على الإنترنت، ما يجعل هذه الاستضافات جزءًا من استراتيجية تلميع لا تغيّر من الواقع شيئًا.

إن ما يخلص إليه هذا التقرير، والذي تؤكد عليه معًا من أجل العدالة، هو أن أزمة السعودية ليست أزمة “صورة” تحتاج إلى تسويق أفضل، بل أزمة بنيوية عميقة في الحكم، تقوم على القمع، والإفلات من العقاب، وتسخير الاقتصاد والعدالة والأمن لخدمة سلطة واحدة. ومهما تضاعفت الاستثمارات، وتكاثرت الفعاليات الرياضية والترفيهية، ستبقى سمعة المملكة الحقوقية رهينة هذه الانتهاكات الجسيمة، ما لم يحدث تغيير حقيقي يضع حقوق الإنسان وسيادة القانون في صميم أي مسار سياسي أو اقتصادي.

Exit mobile version