منذ ديسمبر 2018، يتكرر اسم الشاب السعودي عبدالله حجاج العريني في قوائم المعتقلين والمختفين قسريًا، بينما تكاد تغيب عن المجال العام أبسط المعلومات التي يفترض أن تكون متاحة عن أي شخص تحتجزه الدولة: أين هو؟ ما وضعه القانوني؟ ما التهمة التي يحاكم عليها؟ وهل صدر بحقه حكم؟
بحسب منظمة سند الحقوقية، اعتُقل العريني في 1 ديسمبر 2018 على خلفية تغريدات قديمة عبّر فيها عن رأيه، وتصنف المنظمة حالته باعتباره مخفيًا قسريًا. كما ذكرت منظمة AOHR UK أن السلطات لم تكشف مكان احتجازه أو ظروفه، وقالت في تقرير نشرته عام 2023 إنه لم تكن هناك قضية معلنة أو أمر اعتقال منشور بحقه بحسب المعلومات المتاحة لها آنذاك.
واستمرت التقارير الحقوقية اللاحقة في وصف مصيره بأنه مجهول. ففي منشورات متكررة خلال 2023 و2024، قالت منظمة «معًا من أجل العدالة» إن العريني لا يزال رهن الاختفاء القسري وإن مكان وظروف احتجازه غير معروفين، بينما أكدت سند في سبتمبر 2024 استمرار اعتقاله منذ 2018 بسبب تغريداته القديمة.
ومع مرور ما يقرب من ثماني سنوات على اعتقاله، لا تكمن خطورة القضية فقط في السبب المعلن للاعتقال، وإنما في الغياب الطويل للمعلومات الموثوقة حول ما جرى بعد ذلك.
من تغريدات قديمة إلى سنوات من الغياب
إذا كانت المعلومات الحقوقية المنشورة دقيقة، فإن قضية العريني بدأت بسبب ممارسة لا تتجاوز التعبير عن الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن القضية لم تتوقف عند الاعتقال.
ففي دولة تحترم الإجراءات القانونية، يفترض أن يقود الاعتقال إلى مسار يمكن تتبعه: تهمة محددة، إمكانية التواصل مع محامٍ، مثول أمام جهة قضائية، محاكمة تتوافر فيها ضمانات العدالة، ثم حكم يمكن الطعن عليه.
أما الاختفاء المطول، حيث لا تتوافر معلومات واضحة عن مكان المحتجز أو ظروف احتجازه أو وضعه القضائي، فيطرح مسألة أخطر بكثير من الاعتقال نفسه.
وهذا هو جوهر قضية عبدالله العريني اليوم.
المعلومات المنشورة عنه محدودة بصورة لافتة، ولا تتوافر في المصادر التي راجعناها تفاصيل موثوقة عن محاكمة علنية أو حكم قضائي نهائي أو مكان احتجازه الحالي.
نقص المعلومات هنا ليس تفصيلًا هامشيًا في القصة. إنه القصة نفسها.
الاختفاء القسري ليس مجرد «عدم معرفة مكان السجين»
مصطلح «الاختفاء القسري» يحمل معنى قانونيًا وحقوقيًا محددًا، ولا ينبغي استخدامه باعتباره مجرد وصف بلاغي. وتصنيف العريني بهذه الصفة صادر عن منظمات حقوقية، من بينها سند و«معًا من أجل العدالة».
فالاحتجاز يصبح أكثر خطورة عندما يقترن بحرمان الأسرة والمجتمع من معلومات أساسية عن مصير الشخص أو مكان وجوده، لأنه يضع المحتجز خارج الضمانات التي يفترض أن يوفرها النظام القانوني.
كما أنه يترك الأسرة في حالة مفتوحة من عدم اليقين: لا تعرف بصورة موثوقة أين يوجد ابنها، وما إذا كان يتمتع بصحة جيدة، وما الإجراءات القانونية التي يواجهها، أو متى يمكن أن ينتهي احتجازه.
ومع امتداد الغياب لسنوات، يصبح الزمن نفسه جزءًا من الانتهاك المزعوم.
ثماني سنوات تقريبًا.. فأين القضية؟ هناك سؤال قانوني بسيط ينبغي أن يكون من الممكن الإجابة عنه بعد كل هذه السنوات:
ما القضية المرفوعة ضد عبدالله حجاج العريني؟
إذا ارتكب جريمة، ينبغي إعلان التهمة وتقديم الأدلة وإتاحة محاكمة مستوفية لضمانات العدالة.
وإذا كانت المسألة تتعلق بالفعل بتغريدات قديمة عبّر فيها عن رأيه، كما تقول المنظمات الحقوقية التي وثقت قضيته، فإن استمرار احتجازه يثير أسئلة جدية حول حرية التعبير ومدى استخدام العقوبات الجنائية ضد الخطاب السلمي.
أما إذا لم توجد قضية قائمة تبرر استمرار احتجازه، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: على أي أساس قانوني يستمر حرمانه من حريته؟
الدولة لا تُعفى من الإجابة عن هذه الأسئلة لأن المحتجز بعيد عن المجال العام.
بل على العكس، كلما قلّت المعلومات المتاحة عنه، زادت الحاجة إلى الشفافية.
الحق في التعبير لا ينتهي عند تويتر
قضية العريني تندرج ضمن نقاش أوسع حول الحدود التي تضعها السلطات السعودية على التعبير السياسي والاجتماعي عبر الإنترنت.
فالتغريدة قد لا تتجاوز بضعة أسطر، لكن عندما تتحول إلى سبب لسنوات من الاحتجاز، يصبح السؤال متعلقًا بما هو أكبر من حساب شخص واحد على منصة اجتماعية.
إلى أي مدى يستطيع المواطن السعودي انتقاد أو مناقشة قضايا عامة دون أن يخشى أن يتحول ما كتبه قبل سنوات إلى أساس لاعتقاله؟
وما الضمانات التي تمنع أجهزة الدولة من تحويل قوانين فضفاضة أو إجراءات غير شفافة إلى أدوات لمعاقبة التعبير السلمي؟
حرية التعبير لا تعني الحصانة من القانون. يمكن للدول تجريم تهديدات حقيقية أو التحريض على العنف أو أفعال أخرى محددة وفق القانون.
لكن الفارق جوهري بين محاسبة شخص على جريمة محددة أمام القضاء، وبين إبقائه لسنوات بعيدًا عن المجال العام دون وضوح كافٍ بشأن التهمة والمكان والوضع القانوني.
الصمت الرسمي لا يجعل القضية تختفي
من السهل أن يختفي اسم شخص من الأخبار بعد سنوات من اعتقاله. تأتي قضايا جديدة، ويتغير اهتمام وسائل الإعلام، وتتراجع الحملات، بينما يبقى المعتقل نفسه خلف الجدران.
ولهذا تصبح إعادة طرح قضية عبدالله العريني ضرورية. ليس لأن هناك معلومات كثيرة جديدة عنه، بل لأن عدم وجود معلومات جديدة بعد كل هذه السنوات هو في حد ذاته أمر يستحق المساءلة.
أين عبدالله حجاج العريني؟ ما وضعه الصحي؟ أين يُحتجز؟ هل يستطيع التواصل مع أسرته ومحاميه؟ هل حوكم؟ وإذا صدر بحقه حكم، فما هو وما الأساس القانوني الذي استند إليه؟ هذه ليست أسئلة سياسية معقدة.
إنها المعلومات الأساسية التي ينبغي أن تكون متاحة عن أي شخص تحتجزه دولة وتملك السيطرة الكاملة على حريته ومكان وجوده. وبعد ما يقرب من ثماني سنوات، لم يعد كافيًا أن يبقى عبدالله العريني مجرد اسم في قوائم المعتقلين. إذا كانت السلطات السعودية تملك قضية قانونية ضده، فعليها أن تكشفها وتضمن له جميع حقوقه القانونية. وإذا لم تكن هناك قضية تبرر استمرار احتجازه، فينبغي الإفراج عنه.
أما استمرار الغموض، عامًا بعد عام، فيترك سؤالًا واحدًا أبسط من كل ما عداه:
أين عبدالله حجاج العريني، ولماذا لا يزال مصيره مجهولًا بعد كل هذه السنوات؟

