Site icon Together For Justice

عبد الرحمن الخالدي بين الاحتجاز والترحيل القسري: العالم أدار ظهره لمعارض سعودي يواجه خطر التعذيب أو الإعدام

عبد الرحمن الخالدي

عبد الرحمن الخالدي

يمرّ الوقت ولا جديد في قضية الناشط والمعارض السعودي عبد الرحمن الخالدي، المحتجز في بلغاريا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2021، بينما يظل خطر ترحيله إلى السعودية قائمًا، بما يعني عمليًا تعريضه لاحتمال التعذيب أو الإخفاء أو السجن لسنوات طويلة، وربما الإعدام. وبعد نحو خمس سنوات من الاحتجاز والانتظار، لم تعد قضيته مجرد ملف لجوء معلق، بل أصبحت اختبارًا مباشرًا لالتزام بلغاريا وأوروبا بمبدأ حماية المعارضين من الإعادة القسرية إلى بلدان قد يواجهون فيها خطرًا حقيقيًا على حياتهم.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استمرار احتجاز الخالدي، رغم التحذيرات الحقوقية المتكررة والقرارات القضائية السابقة التي قضت بالإفراج عنه، يمثل انتهاكًا خطيرًا لحقوقه الأساسية، ويضع السلطات البلغارية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة عن سلامته. فكل يوم إضافي يقضيه في الاحتجاز يزيد من الخطر المحيط به، ويقربه أكثر من احتمال الترحيل إلى دولة معروفة بسجلها في اعتقال وتعذيب المعارضين والمنتقدين.

وفي تطور لافت، وجّه 18 عضوًا في البرلمان الأوروبي رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء البلغاري، طالبوا فيها بالإفراج الفوري عن عبد الرحمن الخالدي ومنحه الحماية الدولية، محذرين من أن استمرار احتجازه يتعارض مع التزامات بلغاريا القانونية والإنسانية. وتأتي هذه الرسالة في وقت تتواصل فيه المخاوف من تجاهل السلطات البلغارية لقرارات قضائية سابقة أمرت بالإفراج عنه، وهو ما يثير أسئلة جدية حول احترام سيادة القانون داخل بلغاريا عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تمس علاقاتها مع أنظمة قمعية.

تعود قضية الخالدي إلى عام 2021، عندما أوقفته السلطات البلغارية بعد دخوله البلاد قادمًا من تركيا، رغم تقدمه بطلب لجوء بسبب مخاوفه من الاضطهاد في السعودية على خلفية نشاطه السياسي والإعلامي. ومنذ ذلك الحين، ظل محتجزًا في مركز بوسمانتسي قرب العاصمة صوفيا، في ظروف وصفتها تقارير حقوقية بأنها قاسية وغير إنسانية، بدل أن يحصل على الحماية التي يفترض أن توفرها دولة أوروبية لطالب لجوء يواجه خطرًا واضحًا في حال إعادته.

وخلال السنوات الماضية، شهدت قضيته سلسلة من القرارات والإجراءات المتناقضة. فقد أصدرت المحكمة الإدارية في صوفيا في أكثر من مناسبة قرارات تقضي بالإفراج عنه، إلا أن السلطات التنفيذية امتنعت عن تنفيذها واستمرت في احتجازه. وفي سبتمبر/أيلول 2025، مُدد احتجازه الإداري مرة أخرى استنادًا إلى مبررات أمنية غير واضحة، رغم غياب أي أساس شفاف يبرر إبقاءه محرومًا من حريته لهذه المدة الطويلة.

كما سبق أن صدر قرار بترحيله إلى السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، في حكم أثار انتقادات واسعة بسبب تجاهله للخطر المعروف الذي يواجهه المعارضون السعوديون عند إعادتهم قسرًا. ورغم أن المحكمة عادت لاحقًا وأمرت بالإفراج عنه، لم يُنفذ القرار، بما يكشف اضطرابًا خطيرًا بين الأحكام القضائية والإجراءات التنفيذية، ويعزز المخاوف من وجود ضغوط سياسية تؤثر على إدارة الملف.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن القضية لم تعد تحتمل المزيد من المماطلة. فعبد الرحمن الخالدي ليس رقمًا في مركز احتجاز، بل معارض سعودي معروف، سبق أن عبّر عن آرائه وانتقد سلطات بلاده، وهو ما يجعله معرضًا لخطر بالغ إذا أُعيد إلى السعودية. وتجارب المعارضين والنشطاء الذين أعيدوا أو عادوا قسرًا إلى المملكة تؤكد أن الترحيل في مثل هذه الحالات لا يعني نهاية إجراء إداري، بل بداية محتملة لمسار من الإخفاء والتعذيب والمحاكمات الجائرة.

وخلال احتجازه، تعرّض الخالدي لانتهاكات متعددة، من بينها الحرمان من الرعاية الصحية الكافية، والتضييق على تواصله مع محاميه، والضغط المستمر المرتبط بإجراءات ترحيله. كما خاض إضرابًا طويلًا عن الطعام احتجاجًا على احتجازه وسوء المعاملة، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية وزاد من المخاوف بشأن حياته وسلامته الجسدية والنفسية.

ومن الناحية القانونية، فإن أي قرار بترحيل عبد الرحمن الخالدي إلى السعودية سيمثل انتهاكًا واضحًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي يحظر إعادة أي شخص إلى دولة توجد فيها أسباب جدية للاعتقاد بأنه قد يتعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الاضطهاد. وهذا المبدأ لا يترك مجالًا للمساومة السياسية أو الحسابات الدبلوماسية، خاصة عندما يكون الخطر موثقًا ومعروفًا كما هو الحال في السعودية.

وتشدد المنظمة على أن استمرار احتجاز الخالدي رغم صدور قرارات قضائية بالإفراج عنه، ومع تصاعد الضغوط لترحيله، يمثل انتهاكًا مزدوجًا: حرمانًا تعسفيًا من الحرية من جهة، وتهديدًا مباشرًا لحقه في الحياة والسلامة من جهة أخرى. كما أن تجاهل السلطات التنفيذية للأحكام القضائية يهدد ليس فقط حقوق الخالدي، بل أيضًا مصداقية النظام القانوني البلغاري نفسه.

وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات البلغارية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن عبد الرحمن الخالدي، ووقف أي إجراءات لترحيله إلى السعودية، ومنحه الحماية الدولية الكاملة بما يتوافق مع التزامات بلغاريا بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الأوروبية.

كما تدعو المنظمة الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، والآليات الأممية المعنية باللاجئين والاحتجاز التعسفي والتعذيب، إلى التحرك العاجل لمنع ترحيله وضمان احترام قرارات القضاء البلغاري. فالقضية لم تعد شأنًا بلغاريًا داخليًا، بل اختبارًا أوروبيًا واضحًا: هل تلتزم أوروبا بحماية المعارضين عندما يكون الخطر حقيقيًا، أم تتركهم يواجهون مصيرهم أمام أنظمة معروفة بالقمع والانتقام؟

إن عبد الرحمن الخالدي لا يملك ترف الانتظار. كل تأجيل في قضيته قد يتحول إلى خطر مباشر على حياته. وإذا سمحت بلغاريا بترحيله إلى السعودية، فلن تكون قد أنهت ملف لجوء، بل ستكون قد سلمت معارضًا إلى دولة قد تعاقبه بسبب رأيه ونشاطه. وهذه مسؤولية لا يمكن تبريرها قانونيًا ولا أخلاقيًا.

Exit mobile version