تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” التطور الخطير في قضية المعتقل الفرنسي المصري الدكتور عمرو عبد الفتاح، بعد أن علم محاميه في فرنسا بصدور حكم ضده بالسجن “لسنوات”، دون إبلاغه بمدة الحكم أو أسبابه أو الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة، في استمرار لمسار قضائي غامض بدأ من واقعة مرتبطة بتصريح حج وانتهى باتهامات ذات طابع أمني ومرتبطة بحرية التعبير.
هذا التطور يؤكد المخاوف التي رافقت القضية منذ بدايتها: أن السلطات السعودية لم تتعامل مع عبد الفتاح باعتباره شخصًا وقع ضحية احتيال متعلق بتأشيرة أو تصريح حج، بل دفعت قضيته تدريجيًا إلى مسار أمني استثنائي، حتى تحولت من واقعة كان يفترض أن تُعالج إداريًا إلى ملف أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، بتهم خطيرة لا تتناسب مع أصل الواقعة.
تعود القضية إلى 16 يونيو/حزيران 2024، أثناء أداء عمرو عبد الفتاح مناسك الحج، حين أوقفته السلطات السعودية على خلفية مشكلة تتعلق بصلاحية تصريح الحج الذي كان يحمله، بعد أن وقع، بحسب المعلومات المتاحة، ضحية عملية احتيال مرتبطة بتصاريح الحج. وبدل أن يُعامل الأمر كمسألة تنظيمية أو مخالفة إدارية محتملة، جرى تصعيده بصورة مقلقة بعد مشادة لفظية مع أحد عناصر الأمن، لينتهي الأمر بتوقيفه ونقله إلى مركز شرطة الحرم، ثم إلى سجن ذهبان في جدة.
عمرو عبد الفتاح مهندس فرنسي مصري مقيم في فرنسا مع زوجته وأطفاله الثلاثة. ومنذ توقيفه، واجه سلسلة من الانتهاكات، شملت سوء المعاملة، والتهديد، والحرمان من التواصل المنتظم مع أسرته، وعرقلة وصول محاميه إلى ملف القضية. كما أفادت معلومات سابقة بتعرضه لاعتداء جسدي عنيف داخل سجن ذهبان بعد أن اشتكى من إجباره على مشاركة الزنزانة مع نزيل يعاني من اضطرابات نفسية ويعتدي على الآخرين، ما تسبب في إصابات منعته من حضور إحدى جلسات محاكمته.
إن صدور حكم بالسجن “لسنوات” دون إبلاغ محاميه بمدة الحكم أو أسبابه يمثل انتهاكًا بالغ الخطورة لأبسط ضمانات العدالة. فالحكم القضائي لا يمكن أن يبقى غامضًا، ولا يجوز أن يُحرم المتهم أو دفاعه من معرفة العقوبة، وأسبابها، والتهم التي بُنيت عليها، وطرق الطعن المتاحة. الغموض هنا ليس خللًا شكليًا، بل جزء من الانتهاك ذاته.
وتزداد خطورة القضية لأن الاتهامات التي وُجهت إلى عبد الفتاح خرجت بعيدًا عن أصل الواقعة المرتبطة بتصريح الحج. فبحسب المعلومات المتاحة، شملت الاتهامات الدخول غير القانوني، والتستر على من ساعده، والإساءة إلى الحكومة السعودية، والإساءة إلى قادمي الحرم، والإساءة إلى رئيس إحدى الدول، ومخالفة الأنظمة، والإشادة بشخص مصنف في قضايا ذات صلة بالإرهاب. كما تشير المعلومات الجديدة إلى أن الحكم شمل تهمًا مرتبطة بحرية التعبير.
إن هذا المسار يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن أن تتحول واقعة مرتبطة بتصريح حج، يُفترض أن تُعالج بالغرامة أو الترحيل أو الإجراء الإداري، إلى قضية أمنية أمام محكمة استثنائية؟ وكيف يصبح شخص وقع ضحية احتيال في التصاريح متهمًا في ملف تُستخدم فيه مفردات الإرهاب وأمن الدولة؟
تؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استخدام المحكمة الجزائية المتخصصة في قضية كهذه يمثل توسعًا خطيرًا في توظيف القضاء الأمني ضد أفراد لا تنطلق قضاياهم من فعل إرهابي حقيقي. فحين تُستخدم محكمة مرتبطة بقضايا الإرهاب لمحاكمة شخص بسبب تصريح حج ومشادة لفظية وتعبيرات منسوبة إليه، فإن ذلك يكشف اختلالًا جسيمًا في التناسب القانوني، ويحوّل القانون إلى أداة تصعيد لا أداة عدالة.
ومن الناحية الحقوقية، تجمع قضية عمرو عبد الفتاح بين عدة انتهاكات خطيرة: الاحتجاز التعسفي، سوء المعاملة، الحرمان من التواصل مع الأسرة، عرقلة الحق في الدفاع، الغموض القضائي، واستخدام تهم أمنية في واقعة لا تستند في أصلها إلى تهديد أمني حقيقي. كما أن صدور حكم دون تمكين الدفاع من معرفة تفاصيله يقوض حقه في الطعن والمراجعة القضائية الفعالة.
وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة عمرو عبد الفتاح الجسدية والنفسية، وتطالب بالكشف الفوري عن نص الحكم، ومدة العقوبة، والأسباب القانونية التي استندت إليها المحكمة، وكافة التهم التي أُدين بها.
كما تطالب المنظمة بتمكينه فورًا من التواصل مع أسرته ومحاميه، والسماح لمحاميه بالاطلاع الكامل على ملف القضية، وضمان حصوله على رعاية طبية مستقلة، وفتح تحقيق شفاف في مزاعم الاعتداء وسوء المعاملة داخل سجن ذهبان.
وتدعو المنظمة السلطات الفرنسية والمصرية إلى التحرك العاجل والعلني لمتابعة قضيته، وضمان حضوره القنصلي، والضغط من أجل الإفراج عنه أو على الأقل إسقاط التهم الأمنية غير المتناسبة مع أصل الواقعة، وضمان محاكمة عادلة وعلنية تتوفر فيها جميع ضمانات الدفاع.
إن قضية عمرو عبد الفتاح تكشف مسارًا خطيرًا: شخص ذهب لأداء الحج، وقع ضحية احتيال في التصاريح، ثم وجد نفسه أمام اتهامات أمنية وحكم غامض بالسجن. هذه ليست عدالة، بل تصعيد تعسفي يفرغ القانون من معناه، ويحوّل الضحية إلى متهم، والمخالفة الإدارية إلى قضية أمن دولة.

