لا يزال الداعية السعودي محمد الشنار رهن الاعتقال منذ سبتمبر/أيلول 2017، بعد قرابة تسع سنوات من احتجازه ضمن حملة الاعتقالات الواسعة التي شهدتها المملكة واستهدفت دعاة وأكاديميين وكتّابًا وأصحاب رأي. ومنذ اليوم الأول لاعتقاله، ارتبطت قضيته بسلسلة من الانتهاكات الخطيرة، بدأت بعزله عن أسرته وإخفاء المعلومات المتعلقة بمكان احتجازه، مرورًا بتعرضه للإهانة والتعذيب، ووصولًا إلى حرمانه من حقه في الاستعانة بمحامٍ.
وبحسب المعلومات المتاحة عن قضيته، واجه الشنار اتهامات فضفاضة من بينها “تأليب الرأي العام”، وهي من الصياغات التي تستخدمها السلطات السعودية في ملاحقة أصحاب الرأي والتعبير السلمي. ولا يزال معتقلًا حتى اليوم، بينما تثير سنوات احتجازه الطويلة والانتهاكات التي رافقت قضيته مخاوف جدية بشأن احترام السلطات السعودية لالتزاماتها الدولية المتعلقة بحظر التعذيب والاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة.
وتؤكد منظمة معًا من أجل العدالة (Together for Justice) أن استمرار اعتقال محمد الشنار يستدعي تحركًا عاجلًا من الجهات الأممية المختصة، ليس فقط للمطالبة بالإفراج عنه، وإنما أيضًا للتحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها منذ اعتقاله وضمان محاسبة المسؤولين عنها.
خمسة أشهر من العزلة التامة عن أسرته
كان قطع التواصل مع العالم الخارجي من أول الانتهاكات التي تعرض لها محمد الشنار عقب اعتقاله. فقد منعت السلطات جميع أشكال التواصل بينه وبين أسرته لمدة خمسة أشهر متواصلة، دون أن تتمكن عائلته خلال تلك الفترة من الاطمئنان عليه أو الحصول على معلومات كافية بشأن ظروف احتجازه وسلامته.
ولا يمكن النظر إلى هذا الحرمان باعتباره إجراءً إداريًا عاديًا. فعزل المعتقل عن أسرته لفترة طويلة، مع حجب المعلومات المتعلقة بوضعه ومكان احتجازه، يضعه خارج نطاق الحماية التي يوفرها التواصل مع العالم الخارجي، ويضاعف مخاطر تعرضه لسوء المعاملة بعيدًا عن أي رقابة مستقلة.
كما أن إبقاء الأسرة لأشهر دون معلومات كافية بشأن مصير أحد أفرادها يمثل في حد ذاته معاناة قاسية لأسرته، التي تُترك أمام أسئلة مفتوحة بشأن سلامته والظروف التي يعيشها خلف القضبان.
الإهانة والتعذيب منذ بداية الاحتجاز
لم تتوقف الانتهاكات عند العزل وقطع الاتصال. فقد أفادت المعلومات المتعلقة بقضية الشنار بتعرضه للإهانة والتعذيب الجسدي والنفسي أثناء احتجازه.
وتكتسب هذه المزاعم خطورة خاصة بالنظر إلى الحظر المطلق للتعذيب بموجب القانون الدولي. فالسعودية دولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وبالتالي تقع عليها مسؤولية قانونية في منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والتحقيق الجاد والمستقل في أي ادعاءات بوقوعها ومحاسبة المسؤولين عنها.
ولا يجوز تبرير التعذيب تحت أي ظرف، كما لا ينبغي أن تمر الادعاءات المتعلقة بتعرض معتقل له دون تحقيق مستقل وشفاف، خصوصًا عندما يقترن ذلك بالعزل عن الأسرة وغياب الرقابة القانونية الفعالة.
الحرمان من المحامي وتقويض الحق في الدفاع
تعرض الشنار كذلك للحرمان من حقه في توكيل محامٍ، وهو انتهاك يمس أحد أهم الضمانات الأساسية لأي إجراءات قضائية عادلة.
فالحق في الحصول على مساعدة قانونية لا يمثل إجراءً شكليًا، بل يشكل ضمانة أساسية لحماية المعتقل من الانتهاكات وتمكينه من معرفة الاتهامات الموجهة إليه والطعن في قانونية احتجازه وإعداد دفاعه.
ويصبح هذا الحق أكثر أهمية في حالة محمد الشنار بالنظر إلى طبيعة الاتهامات الفضفاضة المرتبطة بالتعبير، وفي مقدمتها اتهامه بـ”تأليب الرأي العام”.
إن الجمع بين العزل عن الأسرة والحرمان من التمثيل القانوني ومزاعم التعذيب يثير مخاوف بالغة بشأن مجمل الإجراءات التي تعرض لها الشنار ومدى توافقها مع أبسط معايير العدالة.
“تأليب الرأي العام”.. تهمة فضفاضة لمعاقبة التعبير
تثير طبيعة الاتهامات الموجهة إلى محمد الشنار إشكالية أخرى تتعلق باستخدام عبارات واسعة وغير محددة لتجريم التعبير السلمي.
فمصطلحات من قبيل “تأليب الرأي العام” تفتقر إلى الدقة اللازمة عندما تُستخدم أساسًا لفرض عقوبات جنائية على آراء أو مواقف لا تتضمن تحريضًا حقيقيًا على العنف أو ارتكاب الجرائم.
ويؤدي استخدام مثل هذه الاتهامات إلى توسيع مساحة التجريم بحيث يصبح انتقاد السياسات العامة أو التعبير عن مواقف مستقلة سببًا للاعتقال والملاحقة.
وبعد سنوات طويلة من اعتقاله، تصبح قضية الشنار جزءًا من ملف أوسع يتعلق بالقيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير داخل المملكة واستخدام المنظومة الأمنية والقضائية ضد الأصوات المستقلة.
سنوات خلف القضبان تستوجب المساءلة لا الصمت
استمرار اعتقال محمد الشنار منذ سبتمبر/أيلول 2017 يجعل قضيته أكثر إلحاحًا مع مرور كل عام.
فالقضية لا تتعلق فقط بطول مدة الاحتجاز، وإنما بما رافقها منذ بدايتها من قطع للتواصل مع أسرته، والعزل، ومزاعم التعذيب والإهانة، والحرمان من الاستعانة بمحامٍ، فضلًا عن ملاحقته باتهامات ترتبط بممارسة حقه في التعبير.
وترى منظمة معًا من أجل العدالة أن مرور السنوات لا ينبغي أن يحول هذه الانتهاكات إلى أمر واقع أو أن يؤدي إلى نسيان الضحايا. بل إن طول مدة الاعتقال يضاعف مسؤولية السلطات السعودية عن تقديم معلومات شفافة حول وضع الشنار، وضمان سلامته وحقوقه القانونية، والتحقيق في جميع الانتهاكات التي تعرض لها.
دعوة عاجلة إلى الأمم المتحدة للتحرك
تدعو منظمة معًا من أجل العدالة الآليات المختصة في الأمم المتحدة إلى التدخل العاجل في قضية محمد الشنار، وفي مقدمتها الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والمقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، إلى جانب الآليات الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري متى انطبقت معاييرها على فترات احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي.
وتطالب المنظمة هذه الجهات بمخاطبة السلطات السعودية بصورة عاجلة للحصول على معلومات كاملة بشأن وضع الشنار وظروف احتجازه وحالته الراهنة، والتحقيق في مزاعم تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة، وضمان حصوله على جميع حقوقه القانونية، وفي مقدمتها التواصل المنتظم مع أسرته والوصول الفوري والفعّال إلى محامٍ مستقل.
كما تدعو المنظمة السلطات السعودية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن محمد الشنار إذا كان احتجازه قائمًا على ممارسته السلمية لحقوقه الأساسية، وإسقاط أي اتهامات تستند حصريًا إلى ممارسة حرية الرأي والتعبير.
وتشدد المنظمة على ضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الانتهاكات التي تعرض لها منذ اعتقاله، ولا سيما مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والعزل عن أسرته والحرمان من المساعدة القانونية، مع ضمان محاسبة المسؤولين عنها وعدم إفلاتهم من العقاب.
إن قضية محمد الشنار ليست مجرد ملف قديم يعود إلى حملة اعتقالات سبتمبر 2017. إنها قضية مستمرة ما دام الرجل خلف القضبان، وما دامت الانتهاكات التي تعرض لها بلا تحقيق أو مساءلة.
وبعد سنوات طويلة من اعتقاله، لم يعد مقبولًا أن يستمر الصمت على قضيته. وعلى السلطات السعودية أن تضع حدًا لاحتجازه بسبب التعبير السلمي، بينما تتحمل الجهات الأممية والدولية المعنية مسؤولية استخدام آلياتها للضغط من أجل حريته، والتحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها، وضمان عدم تحول سنوات الاعتقال والانتهاكات إلى جريمة بلا مساءلة.

