Site icon Together For Justice

من سمح للنظام البحريني بالتجسس على معارضيه في لندن؟

تعرب منظمة “معًا من أجل العدالة” عن قلق بالغ إزاء ما تكشف أمام القضاء البريطاني من دلائل تشير إلى تورط الدولة البحرينية في تنفيذ عمليات تجسس رقمية استهدفت معارضين سياسيين يقيمون في لندن. المعلومات التي جرى عرضها أمام المحاكم البريطانية تكشف عن استخدام برامج اختراق متقدمة للتسلل إلى أجهزة النشطاء ومراقبة حياتهم الخاصة، وهو ما يمثّل انتهاكًا صارخًا لحقوقهم الأساسية، وتعديًا مباشرًا على السيادة القانونية داخل المملكة المتحدة نفسها. إن هذا السلوك يعكس مدى اتساع رقعة القمع السياسي الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية، وامتداد أدواتها الأمنية إلى خارج حدودها الجغرافية دون تردد.

تكشف الوقائع المعروضة أمام القضاء البريطاني أن البحرين استخدمت برنامج التجسس الألماني «FinFisher» المعروف تجاريًا باسم «FinSpy»، وهو واحد من أخطر برمجيات المراقبة الهجومية التي طُوّرت خصيصًا لاختراق أجهزة الحاسوب والهواتف وتحويلها إلى أدوات مراقبة شاملة. هذا البرنامج قادر على تسجيل كل ضغطة على لوحة المفاتيح، ونسخ الرسائل والمحادثات والصور والملفات، ومراقبة البريد الإلكتروني، وتتبع سجلات التصفح، وتشغيل الميكروفون والكاميرا دون علم المستخدم، بما يعني حرفيًا تحويل حياة الضحية بالكامل إلى مساحة مراقبة لصالح الجهة التي تنفذ الاختراق. الضحيتان الرئيسيتان في هذه القضية هما المعارض البحريني البارز الدكتور سعيد الشهابي والناشط موسى محمد، وكلاهما كان يعيش في لندن حين جرى اختراق أجهزتهما في سبتمبر 2011، وفقًا لما أكده خبراء الطب الشرعي الرقمي أمام المحاكم البريطانية.

الوقائع المعروضة أمام القضاء لا تتعلق بجدل سياسي أو خلاف دبلوماسي، بل بعمل عدائي متعمد يستهدف أفرادًا يعيشون تحت حماية القانون البريطاني. إن لجوء البحرين إلى مثل هذه الممارسات داخل دولة يفترض أنها تحمي الحقوق والحريات يثير سؤالًا جوهريًا حول البيئة التي تُشجَّع فيها الأنظمة الاستبدادية على التصرف وكأنها فوق القانون. فمثل هذه الأنظمة لا تتجرأ على تنفيذ عمليات تجسس عابرة للحدود إلا عندما تكون مقتنعة بوجود حصانة غير معلنة، أو دعم سياسي ضمني، أو جهل متعمد من بعض الحكومات الغربية التي تغض الطرف عن الانتهاكات مقابل تحالفات اقتصادية أو أمنية.

المحكمة العليا البريطانية تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي يتجاوز حدود هذه القضية تحديدًا. فالمسألة لم تعد مجرد نزاع قضائي بين ضحايا ونظام سياسي، بل تتعلق بمدى قدرة بريطانيا على حماية أراضيها من القمع الخارجي، وبمدى احترامها لالتزاماتها الأخلاقية والقانونية تجاه كل لاجئ سياسي يلجأ إليها بحثًا عن الأمان. وإذا فشلت المحاكمة في إرسال رسالة واضحة بأن القمع الرقمي ليس محل تسامح، فإن ذلك سيفتح الباب واسعًا أمام أنظمة أخرى لتكرار الانتهاكات نفسها، مستفيدة من تردد الحكومات الغربية في مواجهة شركائها السياسيين.

إن منظمة “معًا من أجل العدالة” ترى أن مجرد وصول القضية إلى أعلى محكمة في المملكة المتحدة يكشف حجم الضرر الذي تعرض له الضحايا، ويثبت أن عمليات التجسس لم تكن مجرد اختراق تقني بل شكلًا من أشكال الترهيب العابر للحدود. وما يضاعف خطورة الملف أن ضحايا هذه الممارسات يدفعون ثمنًا نفسيًا واجتماعيًا حقيقيًا، بينما يسعى النظام البحريني للاختباء وراء ادعاءات الحصانة السيادية لتجنب المساءلة. مثل هذا السلوك يعكس طبيعة الأنظمة القمعية التي تُسكت الأصوات الناقدة داخل حدودها، وتطارد من يهرب منها أينما ذهب.

وسط كل هذا، يبقى السؤال الأساسي مطروحًا: هل ستكون المحاكمة شكلية، تُحفظ في الأرشيف مثل كثير من القضايا التي سبقتها، أم أنها ستكون لحظة مفصلية يتأكد فيها أن القانون البريطاني قادر على مواجهة النفوذ السياسي والاقتصادي، وقادر على تحقيق العدالة للضحايا مهما كان الطرف المتهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بمستقبل هذه القضية، بل بمصداقية النظام القانوني البريطاني في التعامل مع قضايا القمع العابر للحدود.

تؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن حماية المعارضين واللاجئين السياسيين داخل بريطانيا ليست شأنًا دبلوماسيًا قابلًا للمساومة، بل واجب قانوني وأخلاقي لا يمكن التلاعب به. وتدعو المنظمة السلطات البريطانية إلى اتخاذ موقف واضح يرفض تحويل أراضيها إلى ساحة خلفية للأنظمة الاستبدادية التي تمد أدواتها القمعية إلى الخارج دون خوف من العقاب. إن مواجهة هذه الممارسات هي الخطوة الأولى نحو حماية الضحايا ومنع تكرار هذا النمط من الانتهاكات في المستقبل، وإثبات أن سيادة القانون في دولة ديمقراطية مثل بريطانيا ليست مجرد شعار، بل التزام حقيقي وملزم.

Exit mobile version