تقارير

خمس سنوات من الاعتقال التعسفي لمساعد عبد ربه الدوسي الزهراني بسبب برقية نصح للديوان الملكي

بينما تروّج السعودية لمرحلة جديدة من “الانفتاح” وتحديث الاقتصاد وفق رؤية 2030، لا تزال الحقائق على الأرض تكشف عن وجهٍ آخر للرؤية، وجهٍ يقوم على القمع والإقصاء وتجريم أي رأي لا ينسجم مع الخط الرسمي. وفي قلب هذا التناقض تقف قضية المواطن مساعد عبد ربه الدوسي الزهراني، الذي يدخل عامه الخامس في الاعتقال التعسفي لمجرد إرسال برقية نصح للديوان الملكي حول ما اعتبره تجاوزات أخلاقية في أنشطة هيئة الترفيه. خمس سنوات كاملة مضت دون محاكمة، ودون اتهام معلن، ودون أي مسار قانوني واضح، في واحدة من أكثر القضايا التي تُجسد فجوة الواقع بين خطاب الدولة وممارساتها.

بدأت القصة في يوليو/تموز 2020، حين أرسل الزهراني برقية رسمية إلى الديوان الملكي تضمنت نقدًا لسياسات هيئة الترفيه والفعاليات التي تُنظمها، معتبرًا أن بعض هذه الأنشطة لا تتوافق مع الهوية الثقافية للمجتمع السعودي. لم يدعُ الرجل إلى احتجاج، ولم يحرّض على العنف، ولم يتجاوز النصيحة المكتوبة. وبرغم ذلك، جرى اعتقاله فورًا، وكأنه ارتكب جريمة تهدد أمن الدولة، لا مجرد رأي يتسق مع ما يزعم المسؤولون أنفسهم أنه “حق المواطن في إبداء الرأي”.

ما يفاقم من خطورة هذه القضية هو غياب أي مسار قضائي كامل لمدة خمس سنوات كاملة؛ فلم يُقدَّم الزهراني إلى محاكمة، ولم تُعلن بحقه تهم رسمية، ولم يُسمح له بالدفاع أو الترافع أو حتى معرفة مصيره القانوني. فالاحتجاز مستمر بقرار أمني غير معلن، خارج إطار القضاء، وبدون أي سند قانوني يمكن تبريره حتى بمقاييس الأنظمة المحلية الأكثر تشددًا. إن استمرار هذا الاحتجاز بهذه الطريقة يمثّل انتهاكًا مباشرًا لصكوك حقوق الإنسان الدولية التي تؤكد على الحق في المحاكمة العادلة، وحظر الاعتقال التعسفي، وضرورة إعلان أسباب التوقيف فورًا، وهي مبادئ صادقت عليها المملكة رسميًا لكنها ترفض تطبيقها عمليًا.

وتأتي قضية الزهراني كجزء من نمط موسّع من القمع الأمني الذي تصاعد خلال السنوات الأخيرة، حيث تم تحميل الأجهزة الأمنية أدوارًا سياسية تتجاوز مهمتها الأصلية، فأصبح الرأي جريمة، والانتقاد خطًا أحمر، والنصيحة “تجاوزًا أمنيًا”. العديد من النشطاء والكُتّاب والمغردين وجدوا أنفسهم في الموقف ذاته: اعتقال تعسفي، محاكمات سرية، أحكام مبالغ فيها، أو احتجاز مستمر بلا محاكمة. وفي بعض الحالات، وصل الأمر إلى إصدار أحكام بالإعدام بسبب تغريدات أو آراء شخصية. ما يعني أن الاحتجاز التعسفي لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح ممارسة مؤسسية تتوافق مع سياسة أوسع تهدف إلى إخماد أي صوت ناقد، ولو كان خارج المنابر العلنية أو داخل رسائل خاصة.

ومع دخول الزهراني عامه الخامس خلف القضبان، يصبح من الواضح أن الحديث الرسمي عن “مرحلة جديدة” و“انفتاح اجتماعي” و“إصلاح اقتصادي” يبقى ناقصًا ما لم يترافق مع احترام الحقوق الأساسية. فالدولة التي تُروّج للتطور والانفتاح لا يمكنها في الوقت نفسه أن تسجن مواطنيها بسبب رأي أو نصيحة، أو أن تجعل من النقد جريمة أمن دولة. التحديث الحقيقي لا يقوم على بناء منشآت ترفيهية أو اقتصادية فحسب، بل على بناء منظومة حقوقية وقضائية تحمي المواطن من التعسف، وتحمي المجتمع من الخوف.

وفي ظل استمرار تجاهل السلطات لمصير مساعد الزهراني، وفشلها في تقديم أي مبرر قانوني لاستمرار حبسه، يصبح التدخل الدولي ضرورة لا يمكن تأجيلها. فهذه القضية ليست حادثة فردية، بل جزء من سلسلة متزايدة من الاعتقالات التعسفية التي يجب التصدي لها. وعلى المجتمع الدولي—بما في ذلك الأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية، والحكومات التي تتعامل مع السعودية—أن يمارس الضغط لوقف هذه الانتهاكات التي تتعارض مع القانون الدولي ومع أبسط مبادئ العدالة.

إن بقاء الزهراني في السجن خمس سنوات دون محاكمة ليس مجرد ظلم فردي، بل هو إشارة خطيرة إلى أن أي مواطن سعودي قد يجد نفسه في الموقع ذاته لمجرد التعبير عن رأي أو توجيه نصح للسلطات. هذه ليست دولة قانون، وليست دولة إصلاح، بل دولة تُدار بمنطق العقاب والردع، حيث يتم إسكات الأصوات لا الحوار معها.

نؤكد أن قضية مساعد عبد ربه الدوسي الزهراني يجب أن تتحول إلى ملف عاجل على طاولة كل الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. فاستمرار احتجازه بلا مبرر، ودون محاكمة، ودون حتى إعلان تهمة واضحة، هو انتهاك لا يجوز السكوت عنه، وجريمة يجب أن تتوقف فورًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى