تقارير

زيارة بن سلمان إلى واشنطن تتجاهل المعتقلين وتُعرّي حقيقة “التطبيع السياسي” بين واشنطن والرياض

بعد يومين فقط، يستقبل البيت الأبيض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في خطوة جديدة تعكس حجم التطبيع السياسي المتسارع بين الولايات المتحدة والنظام السعودي، رغم السجل الموثّق لانتهاكات حقوق الإنسان، ورغم استمرار احتجاز مواطنين يحملون الجنسية الأمريكية داخل السجون السعودية بسبب تغريدات ومواقف رأي. وهذه الزيارة، التي تمثل نقطة تحول في علاقة إدارة ترامب الجديدة بالرياض، تأتي بينما تستمر معاناة عائلات المعتقلين بلا أي وضوح أو التزام أمريكي حقيقي بحماية مواطنيها من الانتهاكات.

واحدة من أبرز هذه القضايا اليوم هي قضية المعتقل سعد الماضي، المواطن الأمريكي–السعودي البالغ من العمر 75 عامًا، والذي تم اعتقاله فور وصوله إلى الرياض في نوفمبر 2021 بسبب 14 تغريدة نشرها من منزله في ولاية فلوريدا. منذ لحظة وصوله إلى المطار، جرى توقيفه على خلفية اتهامات ملفقة مثل “احتضان فكر إرهابي” و“زعزعة استقرار المملكة” و“الإرهاب”—تُهم لا تمت للواقع بصلة، ولا تستند إلى أي سلوك أو نشاط سوى آرائه التي كتبها على حسابه الخاص على منصة  X (تويتر سابقًا)

وبالرغم من أن الماضي أُعيد إلى المحكمة قبل شهور فقط وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات “مع احتساب المدة السابقة”، فإن الأهم هو أن منعه من السفر لا يزال مفروضًا عليه، ما يعني أنه لا يستطيع العودة إلى الولايات المتحدة ولا رؤية أبنائه بحرية، وتظل حياته معلّقة بالكامل داخل السعودية.

ابنه إبراهيم الماضي، البالغ من العمر 29 عامًا، عبّر بمرارة عن شعوره بالخيانة من جانب واشنطن، مؤكدًا أنه حصل طوال الفترة الماضية على “ضجيج أبيض” فقط من إدارة ترامب بشأن إمكانية إطلاق سراح والده. إبراهيم، الذي تنقل شخصيًا بين فلوريدا وواشنطن لمحاولة تحريك القضية، يصف ما يتعرض له والده بأنه “أبعد من أي وصف”، ويؤكد أن الرياض “تتجاوز الحدود دون محاسبة… تسجن الأمريكيين وتقتل الناس ثم تستقبل رسمياً في البيت الأبيض”.

هذه الكلمات ليست مبالغة، بل تعكس واقعًا أكثر قتامة: فبينما يتحرك ولي العهد السعودي بحرية، ويستعد لعقد صفقات دفاعية كبرى تشمل مقاتلات F-35 وتعاونًا عسكريًا موسّعًا، يبقى الماضي محتجزًا بسبب تغريدات لا يتجاوز عدد متابعيها الألف. التغريدات نفسها—والتي استشهد بها الادعاء السعودي كدليل “إرهاب”—لا تحتوي أي دعوة للعنف أو تحريض أو تأييد لكيانات محظورة. بعضها كان مجرد تعليقات اجتماعية ساخرة، والبعض الآخر آراء نقدية خفيفة حول أداء مؤسسات حكومية.

“هل يمكن أن يسمى هذا إرهابًا؟” يتساءل إبراهيم. “لو جلس أي أحد مع والدي لخمس دقائق فقط سيدرك أنه رجل كبير في السن، متقاعد، يعيش حياته ببساطة ولا اهتمامات سياسية له.”

ورغم أن وزارة الخارجية الأمريكية تحدثت عن علمها بالقضية، فإن البيت الأبيض لم يقدم إجابة حقيقية، مكتفيًا بالقول إن الرئيس “على علم بالقضية” وأنه “لن يسبق أي نقاش محتمل”. أما الإدارة الجديدة فتتواصل مع إبراهيم عبر عدد من مستشاري ترامب، بينهم شخصيات مثل سيباستيان غوركا، لكن هذه الوعود تبقى دون نتائج ملموسة.

وهنا تتضح حقيقة مؤلمة: الولايات المتحدة تتعامل مع اعتقال أحد مواطنيها كملاحظة جانبية في مفكرة سياسية مزدحمة بالمصالح العسكرية والدفاعية والاقتصادية. كل وعودها بإعادة تقييم العلاقة مع الرياض تذوب لحظة وصول ابن سلمان إلى واشنطن، وكل حديثها عن حقوق الإنسان يتبخر أمام ثقل الصفقات الدفاعية.

وتأتي زيارة ابن سلمان المرتقبة في هذا السياق، بعد إعلان مستشارين أمريكيين أن الزيارة ربما تتأثر بتطورات قضية الماضي. لكن الأيام مرت، والتاريخ اقترب، ولم يحدث شيء—لا إطلاق سراح، ولا تعليق زيارة، ولا ضغط معلن. وهذا ما دفع إبراهيم إلى لغة أشد وضوحًا: “هذا هو الثمن… هكذا يتم التعامل مع الدول التي تقتل وتعتقل الأمريكيين”.

منظمات حقوقية أمريكية كبرى، مثل مؤسسة Foley، طالبت ترامب علنًا بأن يحمل ملف الماضي معه في لقائه مع ابن سلمان، مؤكدة أن الإفراج عن سعد “لن يتم تجاهله لو جاء كطلب مباشر من الرئيس”. وشخصيات أخرى مثل عبدالله العودة انتقدت الإدارة بسبب “التقارب مع ابن سلمان بينما هناك أب أمريكي محتجز بسبب تغريدات”.

وبينما يستعد ولي العهد للوصول إلى واشنطن خلال 48 ساعة، يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة:

كيف يمكن لإدارة أمريكية أن تتحدث عن حماية مواطنيها بينما تسمح بحصول هذه الزيارة دون أي شروط؟

وكيف يمكن أن تثق عائلة الماضي في أي خطوة دبلوماسية بينما الأب لا يزال محاصرًا داخل السعودية، ممنوعًا من العودة، ومحبوسًا بسبب كلمات كتبها على شاشة هاتفه؟

إن زيارة محمد بن سلمان لا يمكن فصلها عن هذه القضايا. وأي محاولة للتعامل معها كزيارة “عادية” أو “روتينية” هي تواطؤ ضمني مع انتهاكات مستمرة، يذهب ضحيتها مواطنون أمريكيون وسعوديون على حد سواء.

وهنا تؤكد معًا من أجل العدالة أن التطبيع السياسي مع النظام السعودي—كما تمثله هذه الزيارة—هو تهاون خطير، ويجب ألا يتم دون وضع ملف المعتقلين في صدارة الحوار، وعلى رأسهم المواطن الأمريكي–السعودي سعد الماضي، الذي يقضي أيامه بين بوابات المحاكم السعودية بسبب “تغريدات” تقول الإدارة الأمريكية نفسها إنها لا تشكل أي خطر.

زيارة ابن سلمان خلال يومين يجب أن تكون اختبارًا واضحًا: إما أن تضع الإدارة الأمريكية حقوق الإنسان على الطاولة، أو تثبت عمليًا أن مصالح السلاح والصفقات أهم من حرية مواطنيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى