متى يتحرك العالم لمواجهة قمع النظام السعودي للمفكرين؟ قضية حسن فرحان المالكي نموذجًا
بينما يواصل النظام السعودي تسويق صورة مصقولة عن “الإصلاح” و“التغيير” أمام المجتمع الدولي، يكشف الواقع الداخلي عن مشهد مغاير تمامًا، عنوانه القمع المنهجي للأصوات الفكرية المستقلة. وفي قلب هذا التناقض الصارخ، يقبع المفكر الإسلامي حسن فرحان المالكي خلف القضبان منذ سبتمبر/أيلول 2017، دون صدور حكم قضائي نهائي بحقه حتى اليوم.
ثماني سنوات من الاحتجاز المتواصل، قضاها المالكي في عزلة قسرية، محرومًا من محاكمة عادلة، ومن أبسط حقوق الدفاع، في واحدة من أطول قضايا الاحتجاز التعسفي التي طالت مفكرًا إسلاميًا في السعودية. لم يكن المالكي ناشطًا سياسيًا ولا داعية للعنف، بل مفكرًا عرف بمراجعاته الفكرية وجرأته في نقد الخطاب الديني السائد، وبدعوته إلى فتح باب النقاش والاجتهاد.
اعتُقل المالكي ضمن حملة واسعة استهدفت مفكرين ودعاة وأكاديميين حاولوا كسر احتكار السلطة للرواية الدينية والسياسية. ومنذ لحظة اعتقاله، جرى التعامل مع التفكير الحر بوصفه تهديدًا، ومع السؤال بوصفه جريمة. فحُرم من توكيل محامٍ، وتعرضت جلسات محاكمته لتأجيلات متكررة أفرغتها من أي مضمون قانوني، في مسار يعكس غياب الإرادة الحقيقية لإنهاء قضيته قضائيًا.
وُجهت إلى المالكي تهم فضفاضة تكشف الطابع السياسي للقضية، من بينها امتلاك كتب، ومحاورة مفكرين، والدعوة إلى مراجعة الخطاب الديني. وهي أفعال لا يمكن اعتبارها جرائم في أي نظام قضائي يحترم حرية الفكر والتعبير. الأخطر من ذلك أن النيابة العامة طالبت بإنزال عقوبة الإعدام بحقه، في تصعيد خطير يؤكد أن القضية لم تعد مجرد احتجاز تعسفي، بل محاولة لترهيب كل من يفكر خارج الإطار المرسوم.
إن الإصرار على إبقاء حسن المالكي خلف القضبان طوال هذه السنوات لا يستهدف شخصه فقط، بل يعكس سياسة أوسع تهدف إلى إقصاء الفكر النقدي وتجفيف أي مساحة للنقاش المستقل. في هذا السياق، يتحول القضاء إلى أداة ردع، وتُستخدم القوانين لتأديب العقول، لا لتحقيق العدالة أو حماية المجتمع.
وفي يوليو/تموز 2025، أطلق نجله أبو بكر حسن المالكي حملة إنسانية لإعادة تسليط الضوء على قضيته، بعد سنوات من التعتيم المتعمد. وقد لاقت هذه الحملة دعمًا من مفكرين وباحثين وإعلاميين من اتجاهات فكرية مختلفة، في تأكيد على أن القضية تتجاوز الخلافات الفكرية، وتمس جوهر الحق في التفكير والتعبير.
إن استمرار احتجاز المالكي وتهديده بالإعدام لا يمكن التعامل معه كقضية داخلية أو شأن محلي. إنها قضية تمثل اختبارًا حقيقيًا لالتزام المجتمع الدولي بحماية حرية الفكر، ولمدى استعداده لمحاسبة الأنظمة التي تستخدم القضاء لقمع المفكرين بدلًا من حماية الحقوق.
اليوم، وبعد ثماني سنوات من السجن بلا حكم، لا يزال حسن المالكي هناك — في زنزانة مغلقة، بعيدًا عن عائلته وكتبه — فقط لأنه فكّر، وناقش، وطرح أسئلة اعتبرها النظام غير مسموح بها.
وعليه، تدعو معًا من أجل العدالة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكافة الهيئات الحقوقية الدولية، إلى التحرك العاجل والجاد للضغط من أجل الإفراج الفوري عن حسن فرحان المالكي، ووقف ملاحقته، وضمان عدم استخدام القضاء كغطاء لإسكات المفكرين وأصحاب الرأي.
إن الصمت الدولي المستمر لم يعد موقفًا محايدًا، بل غطاءً يسمح باستمرار القمع. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى يبقى العالم شاهدًا صامتًا على سحق حرية الفكر في السعودية؟



