محمد الحضيف… النظام السعودي يتبنى اليوم خطاب السيادة ضد التدخل الإماراتي، لكنه لا يزال يسجن من حذّر منه مبكرًا
يدخل الكاتب والأكاديمي السعودي الدكتور محمد الحضيف عامه العاشر في السجون السعودية، لا لشيء سوى لأنه قال ما تعترف به السلطة السعودية نفسها اليوم: أن التدخلات الإماراتية تمثل خطرًا مباشرًا على السيادة السعودية وعلى الأمن القومي للمملكة. المفارقة الصادمة أن النظام الذي يخوض اليوم مواجهة سياسية وإعلامية مع أبو ظبي حول تدخلاتها وأدوارها التخريبية داخل السعودية وعلى حدودها، لا يزال يحتجز أحد أوائل من حذروا من هذه التدخلات، ويعاقبه بعقوبة قاسية لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها انتقامًا سياسيًا خالصًا.
في 19 مارس/آذار 2016، اعتُقل الدكتور الحضيف تعسفًا من مطار الرياض فور عودته من تركيا، عقب نشره تغريدة تساءل فيها عن مشروعية تدخل النظام الإماراتي في الشؤون الداخلية للمملكة، وعن دوره في التحريض على منظمات المجتمع المدني السعودي. لم يدعُ الرجل إلى عنف، ولم يحرّض على فوضى، ولم يتجاوز إطار النقاش العام حول السيادة الوطنية، لكن النظام السعودي اختار التعامل مع هذا الرأي باعتباره “جريمة”، ووجّه له تهمًا فضفاضة من قبيل “الإساءة لدولة صديقة”، في دلالة واضحة على أن حماية العلاقة مع أبو ظبي كانت أولوية أعلى من حماية حق مواطن سعودي في التعبير عن رأيه.
منذ لحظة اعتقاله، حُرم الدكتور الحضيف من أبسط حقوقه القانونية. مُنع من توكيل محامٍ، وخضع لمحاكمة سرية تفتقر إلى أدنى معايير العدالة، في مسار قضائي لم يكن هدفه البحث عن حقيقة أو تطبيق قانون، بل تثبيت عقوبة سياسية مسبقة. صدر بحقه في البداية حكم بالسجن خمس سنوات والمنع من السفر، ثم جرى تشديد الحكم لاحقًا إلى تسع سنوات، قبل أن تُغلَّظ العقوبة إلى 13 عامًا في مطلع عام 2023، في تصعيد عقابي متدرج يعكس إصرارًا على الانتقام لا على إنفاذ العدالة.
ولا يمكن فصل ما جرى مع الدكتور الحضيف عن السياق الأوسع للعلاقة بين النظامين السعودي والإماراتي. إذ تشير معلومات موثوقة إلى أن اعتقاله جاء عقب شكوى مباشرة من أبو ظبي، أعقبتها حملة تشهير إلكترونية منظمة قادتها جيوش حسابات موجهة هدفت إلى تشويه سمعته والتحريض ضده. هذا المسار يكشف مستوى خطيرًا من التنسيق في قمع الأصوات المنتقدة، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلال القرار السيادي السعودي عندما يتعلق الأمر بمواطنين يعبّرون عن مواقف وطنية لا تتماشى مع حسابات التحالفات الإقليمية.
الدكتور محمد الحضيف ليس شخصًا هامشيًا ولا صاحب خطاب عابر. هو أكاديمي مرموق ومثقف إصلاحي ذو سيرة علمية ومهنية معروفة. حاصل على البكالوريوس من جامعة الملك سعود بمرتبة الشرف، ونال درجة الماجستير في نظريات الإعلام من جامعة كانساس، ثم الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية. أسس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية عام 1993، وشارك في إعداد برامج إعلامية متعددة، وله مؤلفات ودراسات كان لها حضور في الساحة الثقافية والفكرية. إن تحويل هذا المسار الأكاديمي والفكري إلى تهمة جنائية يكشف طبيعة النظام الذي لا يعاقب الفعل، بل يعاقب الفكرة.
اليوم، وبينما يعترف النظام السعودي علنًا بخطورة الأدوار الإماراتية، ويدافع عن سيادته أمام ما يصفه بالتدخلات والمؤامرات التي تهدد أمن البلاد وحدودها، يظل السؤال الجوهري بلا إجابة: لماذا لا يزال من حذر من هذه التدخلات خلف القضبان؟ ولماذا يُعاقَب من قال الحقيقة مبكرًا، بينما يُعاد إنتاج خطابه ذاته رسميًا بعد سنوات؟ هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا باعتباره عقابًا سياسيًا على التوقيت، لا على المضمون، ورسالة واضحة لكل صوت وطني مستقل بأن التفكير خارج الإطار المسموح به قد يُكلف صاحبه حريته، حتى لو ثبت لاحقًا أنه كان على حق.
إن استمرار اعتقال الدكتور محمد الحضيف لا يمثل فقط انتهاكًا صارخًا لحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان، بل يشكل إهانة مباشرة لمفهوم السيادة الوطنية نفسه. فلا سيادة تُحمى بسجن من دافعوا عنها، ولا أمن قومي يُصان بإسكات من حذروا من اختراقه. ما يجري هو نموذج فاضح لدولة تعاقب مواطنيها الشرفاء لإرضاء تحالفات خارجية، ثم تعيد تبني مواقفهم عندما تتغير موازين المصالح.
وعليه، فإن الإفراج الفوري وغير المشروط عن الدكتور محمد الحضيف لم يعد مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. كما أن محاسبة المسؤولين عن اعتقاله وتعذيبه ومحاكمته الجائرة تمثل خطوة أساسية لإعادة الاعتبار لسيادة القانون وكرامة المواطن. وفي الوقت نفسه، تقع على عاتق الأمم المتحدة، ولا سيما المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، مسؤولية التحرك الجاد إزاء هذه الجريمة السياسية، والضغط لوضع حد لسياسة معاقبة من قالوا الحقيقة قبل أن تعترف بها السلطة نفسها.



