الدعاء الذي تحوّل إلى جريمة: قضية الشيخ عبد الله بصفر أمام القضاء السعودي
لا يزال الشيخ الدكتور عبد الله بصفر، الأكاديمي والداعية السعودي المعروف، محتجزًا في السجون السعودية منذ أغسطس/آب 2020، على خلفية قضية انتهت في أكتوبر/تشرين الأول 2022 بحكم قضائي بالسجن 12 عامًا، في واحدة من أكثر القضايا دلالة على تسييس القضاء وتجريم الفعل الديني السلمي خارج الإطار السياسي المسموح به.
ينتمي الشيخ بصفر إلى المؤسسة الأكاديمية الرسمية، إذ يشغل صفة أستاذ مشارك في قسم الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز، كما تولّى سابقًا منصب الأمين العام للهيئة العالمية للكتاب والسنة. ويُعرف على نطاق واسع بصفته أحد أشهر قرّاء القرآن الكريم في العالم الإسلامي، وشارك لسنوات في محافل دينية دولية ممثلًا للمملكة العربية السعودية، قبل أن يتحوّل فجأة من واجهة دينية رسمية إلى متهم في قضية أمنية.
بدأت فصول القضية في أغسطس/آب 2020، عندما داهمت قوات أمنية منزل الشيخ بصفر في مدينة جدة دون إبراز مذكرة توقيف، وتم اقتياده إلى جهة غير معلومة، حيث ظل رهن الإخفاء القسري لعدة أشهر. خلال هذه الفترة، لم يُعرض على أي جهة قضائية، ولم يُسمح له بالتواصل مع محامٍ، كما لم تُبلَّغ عائلته بطبيعة التهم الموجهة إليه، في انتهاك واضح للإجراءات القانونية الأساسية.
لاحقًا، كُشف أن جوهر القضية لا يرتبط بأي نشاط عنيف أو تحريضي، بل يعود إلى مشاركة الشيخ بصفر في زيارة دعوية سابقة إلى مدينة إسطنبول، حيث أمّ المصلين في أحد مساجدها، وخصّ بالدعاء مسجد آيا صوفيا، متمنيًا عودته مسجدًا جامعًا. هذا الدعاء العلني، الذي جرى في سياق ديني بحت، أُدرج لاحقًا ضمن ملف الاتهام باعتباره دليلًا على “تجاوز سياسي”، رغم خلوه التام من أي مضمون تحريضي أو تهديد أمني.
وبعد إعادة فتح آيا صوفيا مسجدًا عام 2020، بدا أن السلطات السعودية تعاملت بأثر رجعي مع كل من عبّر عن تأييده لهذا القرار، وجرى توظيف مواقف دينية سابقة في إطار قانون مكافحة الإرهاب، لتبرير محاكمات سياسية بأدوات قانونية استثنائية. وفي هذا السياق، أُحيل الشيخ بصفر إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، المعروفة بنظرها في قضايا الإرهاب، رغم غياب أي أفعال تنطبق على هذا الوصف.
وخلال جلسات المحاكمة، لم يُتح للشيخ بصفر تقديم دفاع فعّال، ولم تُناقش بجدية طبيعة الأدلة المقدمة ضده، كما لم يُحقق في ظروف احتجازه السابقة أو في مزاعم تعرضه لسوء المعاملة. وانتهت الإجراءات بحكم قاسٍ بالسجن 12 عامًا، يستند إلى تأويل سياسي لدعاء ديني، ويعكس توسعًا خطيرًا في تعريف “التهديد الأمني”.
تكشف قضية عبد الله بصفر عن تحوّل جوهري في تعامل السلطات السعودية مع الفعل الديني، حيث لم يعد الخلاف محصورًا في الخطاب السياسي المباشر، بل امتد ليشمل المواقف الروحية والدعاء العلني، متى ما تعارض مع توجهات الدولة أو حساباتها الإقليمية. وفي هذا الإطار، يصبح الدعاء فعلًا مُجرَّمًا، وتتحول المنابر الدينية إلى ملفات اتهام.
إن استمرار احتجاز الشيخ بصفر حتى اليوم يثير تساؤلات جدية حول حدود حرية الدين والتعبير في السعودية، وحول استخدام القضاء كأداة لإعادة ضبط المجال الديني وفق اعتبارات سياسية، لا قانونية. كما يعكس نمطًا أوسع من استهداف الدعاة والأكاديميين الذين يتمتعون بتأثير جماهيري، حتى وإن كانوا جزءًا من المؤسسات الرسمية سابقًا.
معًا من أجل العدالة تُطالب المجتمع الدولي بالضغط على النظام السعودي لإعادة النظر في هذه القضية على أساس قانوني مستقل، والإفراج عن الشيخ عبد الله بصفر، أو على الأقل إخضاع قضيته لمراجعة قضائية حقيقية تلتزم بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. كما تدعو إلى وقف استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم التعبير الديني السلمي، وضمان عدم تحويل المواقف الروحية إلى جرائم أمنية.
إن قضية الشيخ عبد الله بصفر لم تعد مسألة فردية، بل باتت مثالًا كاشفًا عن كيفية انتقال القمع من المجال السياسي إلى المجال الديني، وعن الثمن الذي يمكن أن يُدفع بسبب دعاء قيل في مسجد.



