سلطان العجمي.. خمس سنوات من الإخفاء القسري بسبب رثائه لعبد الله الحامد

تجدد منظمة معًا من أجل العدالة تأكيدها أن قضية المحامي الحقوقي سلطان العجمي لم تعد مجرد حالة اعتقال تعسفي، بل أصبحت نموذجًا صارخًا لتحوّل الإخفاء القسري إلى أداة سياسية ثابتة في إدارة المجال العام داخل السعودية. فمنذ اعتقاله في عام 2020، اختفى العجمي تمامًا عن الأنظار، دون إعلان رسمي عن مكان احتجازه، ودون عرض على جهة قضائية مستقلة، ودون تمكينه من التواصل مع أسرته أو محامٍ يمثّله.
بدأت فصول هذه القضية في أعقاب وفاة الدكتور عبد الله الحامد داخل السجن إثر سكتة دماغية، بعد سنوات من الاعتقال وما أُثير حول ظروف احتجازه من إهمال طبي جسيم. في تلك اللحظة التي عبّر فيها كثيرون عن حزنهم، كتب سلطان العجمي كلمات رثاء على حسابه الشخصي. لم يدعُ إلى احتجاج، ولم يحرّض على عنف، ولم يتجاوز حدود التعبير الإنساني عن الأسى. غير أن هذا الفعل البسيط، في مناخ سياسي مغلق، تحوّل إلى ذريعة لاعتقاله خلال حملة استهدفت كل من أبدى تعاطفًا مع الراحل.
ومنذ ذلك الحين، دخل العجمي في دائرة التعتيم الكامل. لم يُعلن عن توجيه تهم رسمية إليه، ولم تُعقد جلسات علنية، ولم يُعرف ما إذا كان قد خضع لمحاكمة سرية أم لا. هذا الغموض ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو جوهر الانتهاك ذاته. فالإخفاء القسري لا يقتصر على احتجاز شخص، بل يقوم على إنكار وجوده قانونيًا، وحرمانه من الحماية القضائية، وترك عائلته في حالة قلق دائم لا تعرف فيها إن كان حيًا أم يتعرض لسوء المعاملة خلف الجدران المغلقة.
تفيد مصادر حقوقية بأن سلطان العجمي يعاني من تدهور صحي متسارع، في ظل ظروف احتجاز قاسية وحرمان من الرعاية الطبية الملائمة. ومع ذلك، تواصل السلطات الصمت، رافضة الكشف عن مكان احتجازه أو حالته. إن هذا الإصرار على التعتيم، بعد أكثر من خمس سنوات، يكشف أن المسألة ليست إجراءً أمنيًا مؤقتًا، بل سياسة متعمدة تهدف إلى كسر الإرادة وترهيب المجتمع القانوني والحقوقي بأكمله.
إن قضية سلطان العجمي تختصر المفارقة القائمة في السعودية: دولة تعلن في الخارج مشاريع إصلاح وتحديث، بينما تلاحق في الداخل الكلمة، وتحوّل الرثاء إلى “شبهة أمنية”، وتعتبر التعبير السلمي تهديدًا للنظام العام. فبدل أن يُنظر إلى المحامي كصوت قانوني يمارس دوره الطبيعي في الدفاع عن الحقوق، يُعامل كخطر يجب إسكاته.
تؤكد معًا من أجل العدالة أن استمرار احتجاز سلطان العجمي في ظل هذا الغموض يمثل جريمة اختفاء قسري مكتملة الأركان وفق المعايير الدولية، وانتهاكًا جسيمًا للحق في الحرية والمحاكمة العادلة والحماية من المعاملة اللاإنسانية. كما أن حرمانه من التواصل مع عائلته ومحاميه يقوّض أي ادعاء بوجود إجراءات قانونية سليمة.
وعليه، تطالب المنظمة بالكشف الفوري وغير المشروط عن مكان وجود سلطان العجمي، وتمكينه من الاتصال بأسرته ومحاميه، وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة، والإفراج عنه ما لم تُقدَّم ضده تهم معترف بها دوليًا وتُنظر أمام قضاء مستقل وعلني تتوافر فيه ضمانات العدالة. كما تدعو إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات اعتقاله وإخفائه، ومساءلة كل من تورط في هذه الانتهاكات.
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على اختفائه، لم يعد السؤال فقط: أين سلطان العجمي؟ بل أصبح السؤال الأوسع: إلى متى ستظل الكلمة في السعودية سببًا للاعتقال، ويظل الصمت الرسمي وسيلة لإدارة العدالة؟ إن بقاء هذه القضية دون حل لا يعبّر عن غياب الشفافية فحسب، بل عن خلل عميق في بنية النظام القانوني نفسه، حيث تتحول العدالة إلى أداة للردع، ويصبح الاختفاء القسري رسالة موجهة لكل من يجرؤ على التفكير بصوت مرتفع.



