تقاريرتقارير

الإبعاد القسري عن الوطن والحرمان من السفر… سياسة النظام السعودي للانتقام من الرأي المعارض

تجدد “منظمة معاً من أجل العدالة” دعوتها المجتمع الدولي لاتخاذ التدابير اللازمة للضغط على السلطات السعودية من أجل رفع حظر السفر عن عائلات المعارضين، أو عن النشطاء والمعارضين المفرج عنهم بعد فترات اعتقال طويلة، كما تطالب بإلغاء كافة الأحكام التعسفية التي تقضي بحرمان المعتقل من السفر بعد انتهاء فترة محكوميته.

إن سياسة المنع من السفر أو ترقب الوصول أمر غير إنساني، وغير مبرر، بل هو انتهاك واضح وصريح ضد حق المرء في التنقل أو لم شمل عائلته في مكان واحد في أمان واستقرار.

تنتهج السلطات السعودية هذه السياسة غير الآدمية في محاولة لكسر إرادة المعارضين والانتقام منهم لتجرؤهم على انتقاد النظام أو فضح انتهاكاته ضد حقوق الإنسان، أو لمطالبتهم بدولة ديموقراطية ينعم فيها المواطن بأبسط الحقوق المدنية والسياسية التي تكفلها المعاهدات والمواثيق الدولية.

لجين الهذلول، الناشطة النسوية السعودية التي أفرج عنها العام الماضي، لا تزال ممنوعة هي ووالديها من السفر دون سند قانوني واضح، لديها أشقاء في الخارج محرومون من لقائهم بسبب هذه القيود التعسفية المفروضة عليهم، وما يزيد الأمر مرارة أن أشقاءها لا يمكنهم العودة إلى المملكة بسبب الخوف من الملاحقات الأمنية.

علياء الهذلول، شقيقة لجين، كتبت على “تويتر” أكثر من مرة عن هذه المعاناة الدامية، أوضحت قد مر أكثر أربع سنوات على آخر مرة رأت فيها أمها وأبيها بسبب حظر السفر المفروض عليهما “بدون أي سبب قانوني”، فقط لأنهم ذوي لجين التي نكل بها النظام في سجونه، وامتد التنكيل ليشمل عائلتها في الداخل والخارج.

كما أكدت علياء أنها لن تخاطر بحياتها وتعود إلى المملكة لأنها تعرف المصير الذي ينتظرها في حال وطأت قدمها الأراضي السعودية بسبب نشاطها المعارض للسلطات.

أما شقيقها وليد الهذلول فقد أرسل رسالة إلى والده عبر “الفضاء الإليكتروني” قائلاً له أنه يشتاق إليه بشدة لأنه محروم من رؤيته منذ أربع سنوات أيضاً، ولا يمكنه العودة للديار بسبب الخطر المنتظر.

عائلة الهذلول ليست الوحيدة في هذه المعاناة، يشاطرها الأحزان عائلة السدحان أيضاً، حيث عبرت أريج السدحان، شقيقة عامل الإغاثة عبد الرحمن السدحان، عن افتقادها لشقيقها المعتقل داخل السجون السعودية منذ قرابة الأربع سنوات بعد أن تم اعتقاله واخفائه قسرياً من قبل السلطات، قبل أن يتم عرضه على القضاء والحكم عليه في محاكمة جائرة بالسجن المؤبد دون أي وجه حق.

عائلة المعتقل سلمان العودة تعاني من ذات الأزمة أيضاً، المتواجدين في الداخل ممنوعون من السفر ومحرومون من زيارته، ونجله عبد الله الذي يعيش في المنفى محروم من رؤية الجميع، أشقائه الذين تحرمهم السلطات من مغادرة البلاد، ووالده الذي يتم التنكيل به على كافة المستويات داخل السجن منذ اعتقاله في حملة سبتمبر/أيلول 2017 الشرسة، التي شنتها الأجهزة الأمنية على المعارضين والنشطاء والمفكرين والأكاديميين والأدباء من كافة التيارات.

الناشط الليبرالي رائف بدوي، الذي أفرج عنه أخيراً بعد قضاء أكثر من عقد من الزمان داخل السجون السعودية، لا يستطيع مغادرة المملكة والانضمام إلى زوجته التي تستقر في الخارج بعد أن اضطرت لمغادرة المملكة هرباً من بطش النظام السعودي.

في 11 فبراير/شباط الماضي، فوجئت الناشطة السعودية مريم العتيبي، أثناء سفرها إلى جورجيا من المملكة بسلطات المطار ترفض السماح لها بالمغادرة بحجة وجود اسمها على قوائم الممنوعين من السفر رغم عدم استلامها أي إخطار يفيد ذلك من السلطات في وقت سابق.

معاناة الناشطة مريم العتيبي بدأت في أبريل/نيسان 2017، حين قادت حملة للمطالبة برفع القيود المفروضة على المرأة السعودية، وعلى رأسها ولاية الرجل، وبالرغم من الإفراج عنها بعد ثلاثة أشهر، واجهت صعوبات عدة في تجديد جواز سفرها، إذ رفضت السلطات تجديده دون إبداء الأسباب.

في بداية العام الجاري، تم السماح للعتيبي بتجديد جواز سفرها، وبالفعل استكملت كافة الإجراءات المطلوبة لذلك، وتمكنت في النهاية -بعد رحلة معاناة امتدت لأكثر من أربع سنوات- من تجديد الجواز، ما يعني أنها كانت مستوفاة لكافة الشروط، والتي أولها ألا يكون هناك أي مانع قانوني من سفرها ومغادرتها البلاد.

لكن، وبحسب مقطع مصور نشرته العتيبي على حسابها على تويتر، فوجئت بأمن المطار يمنعها من دخول الطائرة، إذ تم الكشف عن وجود اسمها ضمن قائمة المحظورين من السفر بعد قيامها بإجراء بصمة الإصبع (وهو إجراء أساسي عند مغادرة البلاد)، ولم يتم موافتها بأسباب هذا القرار، أو وقت إدراجها على القائمة.

الإبعاد القسري عن الوطن، والتهديد الدائم بالاعتقال فقط لأن هناك صلة دم تربط بين إنسان وآخر معارض جريمة واضحة لكافة الأعراف والمواثيق، بل يجب أن تصنف كجريمة ضد الإنسانية كونها تحرم الإنسان من أبسط حقوقه في الحياة والتنقل بحرية والعيش في أمان.

إن ما يتعرض له المعارضون وعائلاتهم داخل وخارج المملكة خرق واضح للعهود والمواثيق الدولية التي تضمن للإنسان حق وحرية التنقل دون قيود، إذ تنص المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه لكل إنسان “الحق في حرية التنقل واختيار محل الإقامة داخل حدود الدولة أو خارجها، ولكلِّ فرد حقٌّ في مغادرة أيِّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده”، لكن السلطات وبلا سبب معلوم سُلب النشطاء وأهاليهم هذا الحق.

إننا نشدد على حق الجميع في التنقل بحرية داخل البلاد أو خارجها، إذ تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه لا يجوز اشتراط أن تكون حرية الشخص في مغادرة أي إقليم في دولة ما خاضعة لأي غرض محدد أو متوقفة على المدة التي يختار الشخص أن يبقى خلالها خارج البلد. وبالتالي، فإن السفر إلى الخارج مكفول بالمادة بالإضافة إلى المغادرة بغرض الهجرة بصورة دائمة، كما أن حق الفرد في تحديد الدولة التي يقصدها يمثل جزءاً من الضمان القانوني.

كما نطالب الهيئات المعنية في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان بالتدخل العاجل والضغط على السلطات السعودية لرفع حظر السفر عن كافة المعارضين والنشطاء وعائلاتهم، والسماح لهم بمغادرة البلاد والعودة إليها بحرية دون خوف أو ترقب.

في هذا الصدد، نناشد أصحاب الضمائر الحية في العالم التدوين على وسم ” #فكّوا_قيود_السفر” الذي أطلقته منظمة العفو الدولية لمساندة ضحايا هذه السياسة التعسفية من قبل النظام السعودي، كما نطالب الجميع بالتكاتف من أجل تكوين رأي عام عالمي يجبر السلطات السعودية على التراجع عن هذه القرارات وإلغاء كافة القيود المفروضة على السفر من وإلى المملكة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى