صحافة عالمية

التبييض الرياضي: استراتيجية دول الخليج لتبييض سجلات حقوق الإنسان الدموية

تُعد ممالك الخليج العربي من أكثر الأماكن انتهاكاً للديموقراطية وحقوق الإنسان حول العالم، بالرغم من ذلك، سمحت لهم احتياطاتهم النفطية -الهائلة- أن تشكل تحالفات استراتيجية مع دول غربية تغض حكوماتها الطرف عن ممارساتها القمعية.

شعوب “العالم الحر” لا يعتبرونها ديكتاتوريات قمعية أيضاً، لأسباب عدة، أبرزها اهتمام تلك الممالك الشمولية البالغ بالرياضات المختلفة، وتنظيمها الفاخر للأحداث الرياضية الدولية الشعبية، كما أنهم يُعتبرون رعاة كرماء لفرق كرة القدم ذات الجماهيرية الواسعة في العالم.

في الواقع، الاهتمام بالرياضة لم يكن نابعاً من الإيمان بدورها أو أهميتها، بل جاء ضمن استراتيجية متعبة منذ أكثر من عقدين أطلق عليها مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان مصطلح “التبييض الرياضي”، وهو مصطلح يعني استخدام الرياضة لتبييض السجلات الدموية والتغطية على جرائم حقوق الإنسان.

في نظر العديد عشاق الرياضة حول العالم، ترتبط المملكة العربية السعودية في أذهانهم بمباريات نهائيات كأس السوبر الإيطالي والإسباني لكرة القدم، أو رالي داكار، أو بعض بطولات الجولف الدولية الكبرى للذكور والإناث التي تنظمها وتستضيفها،

لا يعتبرونها أبداً المملكة التي تسجن النساء المدافعات عن حقوق المرأة، والمطالبات بحق المرأة في القيادة أو السفر دون قيود.

أما الإمارات، فهي في نظر الملايين ساحة أخرى لسباق فورومولا وان، والمالك السخي لفريق مانشستر سيتي لكرة القدم، متجاهلين حقيقة أن الإمارات مكان يمكن أن تتعرض فيه المرأة للاختطاف من قبل والدها، حتى لو كانت أميرة، إذا لم تلتزم بما يفرضه عليها من قيود صارمة في مجتمع يحظر أي شكل من أشكال حرية الصحافة أو التعبير.

التبييض الرياضي وتجاهل الديموقراطية والحريات

تُعد دول الخليج، بما فيها البحرين الصغيرة، دول تفتقر تماماً للديمقراطية، أو حرية التعبير، أو الإعلام المستقل، أو الأحزاب السياسية المعارضة، كما أنه هناك أيضاً ازدراء كامل لحقوق الإنسان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالنساء، اللائي يُعتبرن مواطنات من الدرجة الثانية ويعانين من التمييز الشديد.

وبالرغم من أن حقيقة هذه الأنظمة الديكتاتورية الواضحة، إلا أن صناعة الرياضة أكسبت دول الخليج الاحترام العالمي وشعبية واسعة بين الديمقراطيات الغربية، التي تتجاهل انتهاكات تلك الأنظمة لحقوق الإنسان والحريات.

يقول آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش “الرياضة هي الطريقة التي تصقل بها هذه الدول سمعتها، لا سيما في الدول الغربية وفي أسواق الإعلام الكبرى، من خلال المشاركة في الرياضة الدولية، سواء كانت استضافة الأحداث الرياضية الضخمة مع الرياضيين ذوي الأسماء الكبيرة أو بامتلاك أكبر الأندية الأوروبية والأمريكية”.

وأضاف: “إنها مجرد طريقة تحاول من خلالها هذه البلدان التغطية على جرائمها، ومحاولة لإبعاد الأنظار عن انتهاكاتهم، بل يحاولون صناعة زخم كبير حول اهتمامهم بالسوق الرياضي لاكتساب سمعة جيدة”.

بدأت هذه الاستراتيجية في بداية القرن الحالي، لكن كوغل أقر بأن دول الخليج في البداية لم تدرك مدى فعاليتها، ومع الوقت، ومن خلال رعاية فرق كرة القدم الأوروبية الشهيرة، على سبيل المثال، أنشأت هذه البلدان “قواعد شعبية من مشجعين تلك الفرق، لأن تعصبهم لدعم فرقهم يمتد إلى الدفاع عن البلد مالك النادي حين يُتهم بانتهاك حقوق الإنسان”.

وأشار نائب مدير هيومان رايتس ووتش إلى محاولة شراء المملكة العربية السعودية نادي نيوكاسل يونايتد، حين عارض هذه الصفقة منظمات حقوقية وبعض الوزراء، في المقابل، قوبل اعتراضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بغضب شديد من قبل مشجعين النادي.

ضغوطات فاشلة

من ناحية أخرى، حاولت منظمات حقوقية الضغط على الهيئات الرياضية الدولية التي سمحت بإقامة مسابقاتها في دول الخليج، طلبت المنظمات غير الحكومية من الكيانات الرياضية إظهار التزامها بحقوق الإنسان ووضعها في الاعتبار عند اختيار المضيفين للبطولات، لكن للأسف، لم تنجح أي من تلك الضغوطات حتى الآن، وخير مثال على ذلك البحرين التي تستضيف مسابقة فورمولا 1 منذ 2004، وفي أعقاب انتفاضة الربيع العربي عام 2011، تدهورت أوضاع حقوق الإنسان ومستوى الحريات فيها، مع ذلك، لم يعدل المشاركين في المسابقة ولا رعاتها عن تنظيمها في البحرين.

يقول جوزي ثوم من معهد البحرين للحقوق والديمقراطية “تعد البحرين واحدة من أكثر المجتمعات المدنية قمعاً في العالم، لذا في مؤشر حرية الصحافة العالمي لمراسلون بلا حدود تحتل المرتبة 168 من أصل 180 دولة”.

الجدير بالذكر، أن النشطاء والمعارضين المحليين في البحرين أنفسهم اعترضوا -في 2011- على تنظيم المسابقة على أراضيهم في وقت يتم تكديس مئات السجناء السياسيين وتعذيبهم في السجون، لكن اهتمام العالم بالدولة بسبب السباق لم يمنع السلطات من قمع هذه المظاهرات بشدة، وتوالت الاعتداءات على المعترضين على تنظيم البطولة، سواء عبروا عن ذلك في مظاهرات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكان من بينهم أطفال ونساء.

في بريد إليكتروني أرسلتها معتقلة سابقة بسبب الفورمولا1 تُدعى نادية يوسف، قالت “أنا لا أعارض عقد مسابقة الفورمولا 1 في البحرين بشكل عام. ومع ذلك، مثل العديد من البحرينيين، فإن ما أعارضه هو الطريقة التي تستغل بها الحكومة هذه البطولة لتقديم صورة خاطئة عن البلاد للعالم وتشتيت الانتباه عن سجلهم المروع في مجال حقوق الإنسان”.

وتأسفت لأنه “عندما يصل السائحون الأثرياء إلى البحرين، فإنهم يقضون عطلة نهاية أسبوع ساحرة في مشاهدة السيارات السريعة والمشاهير. لكنهم لا يرون ما يحدث خارج الاستاد: إطلاق الغاز المسيل للدموع على منازل الناس، والهجمات العنيفة على المتظاهرين، وآلاف السجناء السياسيين المحتشدين في سجون البحرين القذرة”.

وأشارت نادية أنه قبل عامين، تعهد مالكو الفورمولا 1 بإثارة دعوة لحكومة البحرين بالنيابة عنها من قبل فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي لتعويضها عن الانتهاكات التي تعرضت لها، لكنها أكدت أنه للأسف، حتى الآن “لم أتلق أي تعويض ولم تتصل بي فورمولا وان شخصياً”.

علاوة على ذلك، على الرغم من إطلاق سراحها في أغسطس/آب الماضي بعفو ملكي، فقد طُردت نادية من وظيفتها في القطاع العام وحُكم على ابنها كميل البالغ من العمر 17 عامًا بالسجن 30 عامًا فيما تعتبره منظمات حقوق الإنسان انتقامًا من والدته الناشطة.

تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن الهيئات الرياضية الدولية يمكنها الضغط من أجل إحداث تغيير في الملف الحقوقي ودفع هذه البلدان لاحترام حقوق الإنسان إذا كانت لديها الإرادة فعلاً للقيام بذلك.

وأشار آدم كوغل إلى أن حجة تلك الهيئات في استمرار تعاونهم مع هذه الأنظمة الديكتاتورية هي أن “المشاركة ستؤدي إلى تحسين الأوضاع، وستقدم أمثلة إيجابية لهذه البلدان التي ستتحسن تلقائياً كما يدعون، لكن ما نراه هو أن هذا لا يحدث أبداً”.

واختتم آدم كوغل حديثه قائلاً: “أعتقد حقاً أن استراتيجية التبييض الرياضي ناجحة.. بالرغم من ذلك، أريد أن أؤكد أنه ليست لدينا مشكلة في إقامة واستضافة بطولات رياضية في الخليج، لا يوجد حرج في ذلك؛ المشكلة هي الطريقة التي يستخدمها هؤلاء القادة الخليجيون والأسباب الكامنة وراء ذلك: إنهم يواصلون القمع ويتمتعون أيضاً بسمعة طيبة”.

ترجمة عن موقع Fair Planet.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى