صحافة عالمية

السعودية: إفراج قريب عن معتقل واحد مقابل عقود من السجن لآخرين

ترجمة عن الموقع الألماني Deutsch Welle

انتشرت أخبار في الآونة الأخيرة عن احتمالية الإفراج عن المدافع السعودي عن حقوق الإنسان الدكتور محمد القحطاني بعد إتمامه 10 سنوت في السجن، لكن حتى إن حدث هذا، وهو أمر مرحب به، فإن هذه الخطوة تتزامن مع حملة جديدة يشنها النظام ضد المعارضين ومعتقلي الرأي داخل السجون بإصدار عقوبات قاسية ومشددة.

في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سيكمل الناشط والخبير الاقتصادي السعودي محمد القحطاني مدة عقوبته البالغة 10 سنوات، وعليه قد يُفرج عنه إذا التزم النظام السعودي بالقانون ولم يغلظ عقوبته أو يزج باسمه في قضية أخرى.

عام 2009، شارك محمد القحطاني في تأسيس “الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية”، أو كما يُطلق عليها اختصاراً “حسم”، مع مجموعة من الأكاديميين والنشطاء والمفكرين السعوديين، لكن في 2012 تم القبض على عدد كبير من هذه المجموعة، وحكم عليهم بالسجن، وكانت عقوبة القحطاني السجن لمدة عشر سنوات بالإضافة إلى حظر السفر لمدة مماثلة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن التهم الموجهة إلى القحطاني وزميله عبد الله الحامد، الذي توفي لاحقاً في السجن نتيجة الإهمال الطبي، تضمنت “زعزعة الأمن من خلال الدعوة للاحتجاجات” و “إنشاء منظمة لحقوق الإنسان بصورة غير قانونية “.

كما تم حل المنظمة التي أسسها القحطاني، وهو في منتصف الخمسينيات من العمر وكان أستاذًا سابقًا في معهد الرياض للدراسات الدبلوماسية، بأمر من المحكمة.

تهديد للنظام الملكي

قبل حلها، دعت حسم إلى تنفيذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في المملكة العربية السعودية، فضلاً عن نظام ملكي دستوري مع برلمان منتخب، إلى جانب إنشاء منظمات قانونية شفافة وخاضعة للمساءلة.

وبدعوتها إلى ملكية دستورية، كانت منظمة حقوق الإنسان تتحدى بوضوح الوضع السياسي السعودي الراهن، خاصة وأن السعودية تعد واحدة من آخر الممالك المطلقة في العالم، وهو ما اعتبره النظام السعودي تهديداً للنظام الملكي.

من منظور قانوني بحت، يجب إطلاق سراح القحطاني قريبًا، كما قالت لينا الهذلول، الباحثة في منظمة القسط لحقوق الإنسان ومقرها لندن، لموقع Deutsch Welle.

وأضافت لينا “قد يكون من الصعب على السلطات السعودية الإبقاء عليه رهن الاحتجاز بعد انتهاء عقوبته…أعتقد أن ذلك قد يشكل ضغوطا لن يتمكنوا من التعامل معها”.

وتابعت الهذلول، التي تحدثت عن حالات قامت السلطات السعودية فيها بالفعل برفض إطلاق سراح المعتقلين بعد انقضاء مدة العقوبة، “لقد رأينا حالتين من هذا القبيل، مثل قضية أشرف فياض، الشاعر الفلسطيني الذي مكث في السجن لمدة عام تقريبًا بعد انتهاء مدة عقوبته… نأمل ألا يصبح هذا اتجاهاً”.

الهذلول تدرك جيدًا التقلبات الصادمة في نظام السجون السعودي، خاصة وأنها شقيقة الناشطة السعودية البارزة في مجال حقوق المرأة، لجين الهذلول، التي قادت حملة لإنهاء الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات في المملكة العربية السعودية، وهي الحملة التي تسببت في القبض عليها عام 2018 وقضت ما يقرب من ثلاث سنوات في السجن.

وعلى الرغم من خروج لجين من السجن الآن، إلا أنها لا تستطيع مغادرة البلاد لمدة خمس سنوات أخرى بسبب حظر السفر المفروض عليها.

دعم من برلين

إلى جانب المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، للقحطاني مناصرين في ألمانيا، مثل راينر كيلر، عضو البرلمان الألماني عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والذي يدافع عنه من خلال حملة “البرلمانيون يحمون البرلمانيين”، أطلقها البرلمان الألماني بهدف المساعدة في حماية السياسيين المضطهدين والمدافعين عن حقوق الإنسان في أماكن أخرى.

يأمل كيلر أن تساعد هذه الحملة في إطلاق سراح القحطاني موضحاً “من الناحية السياسية، يمكن استخدام هذه الحملة لنشر معلومات أكثر حول قضية القحطاني… نحاول أيضًا استخدام القنوات الدبلوماسية للدفاع نيابة عن هؤلاء السياسيين”.

يرى كيلر أيضًا أن اهتمامه بالقحطاني يبعث برسالة مهمة، إذ قال كيلر، وهو عضو في لجنة حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية في البرلمان الألماني ومقرر الهيئة للسعودية: “في المملكة العربية السعودية توجد انتهاكات منهجية ضد حقوق الإنسان… في ظل هذه الظروف، من المهم بالنسبة لنا، كبرلمانيين، إثارة قضية انتهاكات حقوق الإنسان هذه باستمرار”.

من جانبها، رحبت الهذلول بالمشاركة الدولية نيابة عن نشطاء حقوق الإنسان السعوديين المسجونين، لكنها في الوقت نفسه تستنكر حقيقة أن العديد من الحكومات الأوروبية لا تزال تدعم النظام السعودي.

وقالت: “دعمهم لنظامنا هو السبب الوحيد لبقاء هذا النظام، ومساعدته في مضاعفة القمع”، مشيرة إلى جريمة القتل البشعة التي تعرض لها الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل السفارة السعودية في اسطنبول عام 2019، وهو الاغتيال الذي تشير نتائج التقارير الدولية المختلفة والتحقيقات إلى أنه تم بأوامر من ولي عهد البلاد والحاكم الفعلي محمد بن سلمان.

لم تعد منبوذة بعد الآن

قالت الهذلول “تم تهميش محمد بن سلمان بعد مقتل خاشقجي لعدة سنوات، إذ كان معزولا سياسيا من قبل القادة الأمريكيين والأوروبيين”، مشيرة إلى أن الأمور بدأت في التغيير في الآونة الأخيرة وعادت إلى صالحه مجدداً.

جاء الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي وصف السعودية سابقًا بأنها “دولة منبوذة” لزيارة محمد بن سلمان في يوليو / تموز، وفي الشهر نفسه، زار الحاكم الفعلي السعودي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في فرنسا.

رأت الهذلول أن هذه الزيارات شجعت بن سلمان على أن يتصرف بنفس القدر من القمع كما كان دائماً و”يصدر أحكاماً ضد بالسجن لمدة 34 عامًا أو 45 عامًا فقط بسبب بعض التغريدات”، في إشارة إلى قضيتين حديثتين تصدرا عناوين الصحف العالمية.

في أغسطس / آب، حكمت محكمة سعودية على سلمى الشهاب، وهي أم لطفلين وباحثة في جامعة بريطانية، بالسجن 34 عامًا ومنعتها من السفر لمدة 34 عامًا لنشرها “شائعات” وإعادة تغريد تغريدات من حسابات معارضين سعوديين مثل لينا الهذلول.

في وقت لاحق من نفس الشهر، حُكم على امرأة أخرى، نورة بنت سعيد القحطاني، بالسجن 45 عامًا بتهمة “زعزعة تماسك المجتمع” و “زعزعة استقرار النسيج الاجتماعي” بأنشطة على الإنترنت، وفقًا لمنظمة الديموقراطية للعالم العربي الآن.

حول هذه الأحكام، قال السياسي الألماني كيلر إن مثل هذه الحالات تظهر شيئًا واحدًا، أن “المملكة العربية السعودية لا تزال بعيدة جدًا عما يمكن أن نطلق عليه الالتزام بمعايير حقوق الإنسان”.

وقالت الهذلول إن هذا يمثل تحديا للحكومات الأوروبية، مضيفة “يجب أن يدركوا حجم الدعم الذي يقدمونه لهذا النظام… أعني، لا يمكن لمحمد بن سلمان الاستمرار في هذا القمع دون قبولهم له، ولكن عندما يقبلونه، فإنه يرى أن ذلك بمثابة ضوء أخضر لفعل ما يشاء، بما في ذلك إسكات الشعب السعودي”.

واختتمت الهذلول حوارها قائلة: “من المهم أن يستمع المجتمع المدني الغربي إلى المجتمع المدني السعودي في المنفى… لا ينبغي أن ينخدع برواية الحكومة السعودية حول الإصلاحات… التضامن وسيلة فعالة لإحداث فرق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى