تقاريرتقارير

حصاد عام 2021: أوضاع حقوق الإنسان من سيء إلى أسوأ في المملكة

ساعات قليلة تفصلنا عن نهاية العام الجاري، 2021، الذي شهد -وبكل أسف- انتهاكات متزايدة من النظام السعودي وتقليل من أهمية حقوق الإنسان والاستخفاف بها في معظم القرارات التي تم اتخاذها وتطبيقها، إذ لم تكن مصلحة المواطن هي الأولوية، أما حقوق الإنسان فلم تكن في القائمة من الأساس.

شهد هذا العام إصدار أحكام قاسية على عدد من المعارضين، أو تغليظ عقوبة آخرين، فيما كان للجناة ومرتكبي الانتهاكات حظ وفير من الإفلات من العقاب، بالإضافة إلى الاستمرار في التضييق على حرية الرأي والتعبير، حتى لو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما حدث مع معتقلي حملة مايو/أيار المنصرم، الذين اعتقلوا جميعاً على خلفية تغريدات ومدونات على الانترنت.

خلال العام الجاري، قررت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض إسدال الستار أخيراً على قضية المعتقلين الفلسطينيين والأردنيين في المملكة بتهمة رفض الاحتلال الإسرائيلي، والذين اعتقلوا في الفترة من فبراير/شباط وحتى أبريل/نيسان 2019، واحتجزوا في ظروف بالغة السوء وتعرضوا للتعذيب المنهجي البدني والنفسي مع الحرمان من توكيل محام.

وفي 8 أغسطس/آب الماضي صدرت أحكاماً ضد عدد منهم تراوحت بين البراءة والحبس لمدة 22 عاماً، من بينهم الدكتور محمد الخضري – الممثل السابق لحركة حماس بالمملكة، والذي يعاني من أوضاع صحية خاصة نظراً لكبر سنه الذي جاوز الثمانين من عمره، فضلاً عن إصابته بأورام سرطانية، لكن وقبل أقل من أسبوع، قررت محكمة الاستئناف إلغاء أحكام البراءة واستبدالها بالسجن، فيما تم تأييد أحكام البقية، باستثناء الدكتور محمد الخضري الذي تم تخفيف حكمه من 15 عاماً إلى ستة أعوام مع وقف تنفيذ 3 سنوات.

وبالحديث عن إلغاء البراءات، قرر القضاء السعودي في أوقات متفرقة من هذا العام تشديد وتغليظ عقوبة عدد من معتقلي الرأي الآخرين مثل الدكتور “محمد موسى الشريف” – الذي تم زيادة محكوميته من 5 سنوات إلى 13 سنة، والدكتور “يوسف الأحمد” من 4 سنوات إلى 13 سنة، والشيخ الدكتور “علي عمر بادحدح” من 6 سنوات إلى 9 سنوات، و”عادل باناعمة” من 4 سنوات إلى 6 سنوات.

القضاء السعودي أثبت وبجدارة أنه يد النظام للبطش بخصومه وتصفية معارضيه، بالإضافة إلى العقوبات القاسية بالسجن المشدد والمؤبد، كانت السعودية ضمن المراتب المقدمة في الدول الأكثر تطبيقاً لعقوبة الإعدام وليس فقط فرضها، وهي عقوبة شملت حتى القصر، حيث أقدم النظام على إعدام الشاب “مصطفى درويش” بتهم ادعى النظام انه ارتكبها في وقت كان لا يزال فيه قاصراً لم يبلغ السن القانونية.

من ناحية أخرى، لا تزال أزمة قبيلة الحويطات قائمة دون تقديم أي حلول مرضية من قبل النظام، بل على العكس، يستمر النظام في المضي قدماً لإتمام مشروع مدينة نيوم -الذي يهدد أبناء القبيلة بالترحيل القسري من أراضيهم ومنازلهم والاستيلاء عليها-.

العدالة الغائبة… هذا هو العنوان الأمثل لما يحدث في ملف قضية الصحفي جمال خاشقجي، الذي قتل غدراً وبصورة وحشية داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018 على يد عملاء تابعين للنظام السعودي، من جهة لم يتم الكشف عن مكان رفته بعد، ومن جهة أخرى، ترفض السلطات السعودية الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالمحاكمة التي تعرض لها الأشخاص المتهمون بقتله، إذ لم يتم الإفصاح عن هويتهم أو مكان احتجازهم، وأخيراً تم الكشف مؤخراً أن عدداً منهم يعيش بحرية مطلقة داخل أحد المجمعات الفاخرة في الرياض ويمارسون حياتهم بصورة طبيعية، ما يؤكد كذب ادعاءات النظام السعودي أن القتلة يواجهون عقوبات قاسية.

مقتل خاشقجي كان أكبر دليل على انتهاج النظام السعودي للعنف والقوة في التعامل مع الأصوات المعارضة، بل دليل على أنه لا يفضل إلا هذه الأساليب، وبالطبع لم يكن خاشقجي هو الضحية الوحيدة لهذه الأساليب.

بحسب تقارير حقوقية وإعلامية، وعلى رأسها تحقيق قام به عدد من المؤسسات الإعلامية والحقوقية العالمية بعنوان “مشروع بيغاسوس” فإن أحد الأسباب التي مكنت النظام السعودي من خاشقجي هو برنامج التجسس “بيغاسوس”، وهو برنامج تنتجه شركة NSO الإسرائيلية وتبيعه للحكومات والدول المختلفة بزعم تعقب كبار المجرمين والإرهابيين.

التقارير أثبتت أن “بيغاسوس” استهدف هواتف عدد من المحيطين بخاشقجي، مثل زوجته المصرية حنان العتر، وخطيبته التركية خديجة جنكيز، وعدد من أصدقائه مثل الناشط السعودي المقيم في كندا عمر عبد العزيز، وبالطبع تم استهداف معارضين ونشطاء سعوديين آخرين بواسطة هذه البرمجية الخبيثة.

على الصعيد الخارجي، لم تتوقف انتهاكات النظام السعودي أيضاً، لا تزال الحرب في اليمن دائرة، ولا يزال المدنيون هم من يدفعون الثمن، الضربات الجوية السعودية على أهداف مدنية هناك مستمرة، وفي المقابل، الدعم الدولي للقوات السعودية لم ينقطع، لا تزال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يمدون السعودية بالأسلحة المستخدمة في الهجوم على اليمن، وعليه، لم تزل اليمن تعاني من أسوأ كارثة إنسانية في العالم.

مهما ادعى النظام السعودي احترامه لحرية الرأي والتعبير، وسعيه الدؤوب لنقل المملكة من العصور البائدة إلى مطاف الدول المتقدمة، لا تزال المملكة عالقة في العصور الوسطى، حيث السجون سيئة السمعة التي يتفشى فيها التعذيب البدني والنفسي، والتضييق الواضح على حرية الرأي والتعبير، بل تم تصنيفها ضمن الدول الأكثر خطورة على حياة الصحفيين.

وفقاً لتصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود” الدولية، تحتل السعودية المرتبة 170 من أصل 180 دولة فيما يتعلق بحرية وأمن الصحفيين والعمل الصحفي، وبهذا التصنيف تأتي السعودية في المرتبة قبل الأخيرة في الدول العربية قبل سوريا التي تحتل المرتبة 173.

وبحسب الإحصاءات، فإن السعودية تحتجز في سجونها 31 صحفياً ومراسل صحفي.

كما حصلت السعودية على 2.4 من 10 في مقاييس السلامة العامة حيث احتلت المرتبة الثانية في أكثر الدول خطورة على المواطنين حول العالم.

وبحسب مبادرة قياس حقوق الإنسان (HRMI) جاءت السعودية كثاني أسوأ دولة في العالم بين المكسيك، من بين 36 دولة توفر عنهم بيانات كاملة، لتصبح بذلك من أكثر الدولة “غير الآمنة” فيما يتعلق بحقوق الإنسان.

كان يمكن للنظام السعودي تفادي هذه التصنيفات المسيئة ببساطة إذا احترم معايير حقوق الإنسان، وسمح للمواطنين بممارسة حقوقهم المشروعة في التعبير عن رأيهم أو التجمع، وكذلك بالإفراج عن المعتقلين السياسيين أو بضمان محاكمة عادلة للجميع، وبالطبع إنهاء الحرب في اليمن، وتعويض الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، لكنه فضل اللجوء إلى الحل الأصعب والأكثر تكلفة، حيث قرر النظام إنفاق المليارات على تحسين صورته وتجميلها عبر شراء الأندية الرياضية وإقامة المهرجانات الفنية والفعاليات العالمية في المجالات المختلفة بدلاً من احترام الشعب واعطائه كافة حقوقه.

إننا نؤكد أن المجتمع الدولي والأنظمة المختلفة مسؤولين بصورة كبيرة عن انتهاكات النظام السعودي في الداخل والخارج، من جهة لا يزال التعاون معه قائماً على كافة المستويات، ولا سيما العسكرية، إذ يتم إمداده بكافة الأسلحة التي يستخدمها في ضرباته الجوية في اليمن، ومن جهة أخرى يتم التساهل مع المسؤولين السعوديين وعدم تطبيق أي عقوبات رادعة ضدهم ما يشجعهم على ارتكاب المزيد من الانتهاكات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى