صحافة عالمية

راكان الدوسري: مثال آخر على المخاطر التي يواجهها معارضو بن سلمان

ترجمة عن صحيفة واشنطن بوست

الشهر الماضي، وقبل أسابيع قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للسعودية للقاء ولي العهد محمد بن سلمان، تم الكشف عن نجاح أول عملية هروب من الحظر السعودي التعسفي المفروض على سفر النشطاء والمعارضين وبعض رجال الأعمال في المملكة.

تحتوي قصة نادر الدوسري ونجله القاصر راكان على تفاصيل مثيرة تكشف حجم المأساة التي يعيشها معارضو ولي العهد، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو أي مجال آخر يمتلك فيه أحد رأياً مغايراً لرأي الحاكم الفعلي للبلاد.

بدأت مشاكل العائلة بعد دعوى قضائية تم رفعها بالنيابة عنهم ضد المملكة عام 2020 لتأكيد مزاعمهما الوراثية في نزاع حول صفقة مصفاة عام 1995 في سانت لوسيا، لقد كانت مسألة قانونية تقليدية، باستثناء أن أحد المتهمين المذكورين في الدعوى التجارية كان محمد بن سلمان- ولي العهد السعودي.

سعت المملكة إلى استبعاد محمد بن سلمان من الدعوى على أساس أنه يتمتع بالحصانة السيادية، وهي ذريعة صعب تمريرها كونه لم يصبح الرئيس الرسمي للدولة بعد. الجدير بالذكر أن الإدارة الأمريكية في فترة مهلة لإبداء رأيها حول ما إذا كانت ترى أن محمد بن سلمان يجب أن يتمتع بالحصانة السيادية أم لا بسبب جريمة اغتيال خاشقجي.

في 20 مايو/أيار 2021، خطط راكان ووالده للسفر بمفردهما من الرياض إلى واشنطن، كان راكان- مواطن أمريكي يعيش في منطقة بيتسبرغ يبلغ وقتها 13 عاماً- وقد صرح في مقابلات سابقة أنه كان يسعى للانضمام إلى معسكر نشاط صيفي للمراهقين.

حظر السفر المتعلق بفيروس كورونا كان قد رُفع للتو في المملكة، وبالفعل توجه الأب والابن للمطار، لكن تم توقيفهما عند نقطة الجوازات، وفوجئا من الأمن هناك أنهما ممنوعان من السفر.

في دعوى قضائية العام الماضي، قال نادر الدوسري “تم إخبارنا … أن هناك حظرًا على قدرتنا على مغادرة البلاد … علمت لاحقًا أن قيود السفر فرضها الديوان الملكي”.

خوفًا مما حدث في المطار، أرسل راكان نداءً مصوراً في 9 يونيو/حزيران 2021 إلى السفارة الأمريكية في الرياض مستغيثاً بالرئيس بايدن. قال في نص الفيديو: “عزيزي الرئيس بايدن… أنا وعائلتي رهائن الآن داخل المملكة العربية السعودية بأوامر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. … كمواطن ملتزم بالقانون، لم أفعل شيئًا خاطئًا والشيء الوحيد الذي كنت أركز عليه هو الحصول على درجات جيدة في المدرسة. … أعتقد أن محمد بن سلمان يعاقبني أنا وعائلتي على المطالبة بحقوقنا في محكمة فيدرالية أمريكية “.

مستشهدا بتعهد إدارة بايدن بإطلاق سراح جميع الرهائن الأمريكيين، توسل راكان إلى بايدن: “أرجوك حررني أنا وعائلتي … من فضلك احمينا من محمد بن سلمان … من فضلك أعدنا إلى الوطن”، لكن إدارة بايدن لم تحرك ساكناً، مصيبين آل الدوسري بإحباط شديد، خاصة أنهم كانوا يعرفون ما حدث لجمال خاشقجي، الكاتب في صحيفة واشنطن بوست الذي لطالما انتقد سياسات محمد بن سلمان، وعليه قتل في اسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018 في عملية خلصت المخابرات الأمريكية أن ولي العهد وافق عليها شخصياً.

الخوف من بطش ولي العهد دفع نادر الدوسري لاتخاذ قرار جريء بالهروب مع ولده، لم يعبئ بالمخاطر التي كانت ستواجهه خلال رحلته، حيث كان خوفه من مصير خاشقجي أكبر من أي عقبات أخرى.

كانت خطتهم الأولى هي ركوب زلاجات نفاثة من طراز Sea Doo عبر الخليج الذي يبلغ طوله حوالي 40 ميلاً والذي يفصل البر السعودي الرئيسي عن مملكة البحرين، لكن الخوف من احتمالية التعرض للهجوم من قبل أسماك القرش أو اعتقالهم من قبل خفر السواحل السعودي في الطريق دفعهم للتخلي عن هذه الخطة.

كانت خطة الهروب الثانية لعائلة الدوسري أكثر جرأة، حيث تواصل نادر الدوسري مع مجموعة من المهربين، الذين أخذوه هو وراكان إلى منطقة في جنوب المملكة العربية السعودية ونظموا رحلة صيد مزيفة عبر سيارات الدفع الرباعي، وقاموا بشراء ” الأغنام وغيرها من المؤن لتناول الطعام خلال الرحلة بينما ترك نادر الدوسري هاتفه الخلوي في الرياض تجنباً لأي عملية تعقب. كانت تكلفة المغامرة نجو من 30 ألف دولار، لكن لم يكن أمام الاثنين أي خيار آخر.

استغرقت الرحلة عبر الكثبان الرملية المهجورة في الربع الخالي عدة أيام، وقد تم إيقاف المشاركين في عملية الصيد من قبل الشرطة السعودية – التي حذرتهما من إطلاق النار على أي غزال أو حيوانات محمية أخرى، وفي أواخر يونيو/حزيران نجحا في العبور إلى دولة مجاورة في الخليج العربي.

لقد خططوا للسفر من هناك إلى مركز إقليمي ثم إلى الولايات المتحدة – راكان باستخدام جواز سفره الأمريكي ونادر باستخدام جواز سفر خليجي آخر كان قد حصل عليه قبل سنوات، لكن ضابط الجوازات لاحظ أن اختبارات “فحص كورونا” قبل السفر قد أجريت في المملكة العربية السعودية وأوقفهم لمزيد من الاستجواب، قال نادر الدوسري: “اعتقدت حينها أن هذه هي النهاية”، لكن تم السماح لهما بالمرور.

العقبات استمرت في مواجهتهما حتى عندناً وصلا إلى نقطة العبور المنشودة، حيث لاحظ ضابط الجوازات أن تأشيرة نادر للولايات المتحدة بها بعض الترجمات غير المتطابقة من العربية، لكن تم السماح لهما بالمرور، ووصل الاثنان إلى دالاس في أواخر يونيو / حزيران، ليكونا بذلك أول سعوديين ينجحا في الهروب من حظر السفر الذي فرضه محمد بن سلمان -حسب المتوفر من معلومات.

بعد اكتشاف خبر هروبهما في المملكة، تحديداً في أكتوبر / تشرين الأول، تم اعتقال شقيق نادر في المملكة العربية السعودية واستجوابه لفترة، فيما مُنع أفراد الأسرة الآخرون من السفر، ويقول نادر إن حساباته المصرفية تم تجميدها.

 إن ما تعرضت له عائلة الدوسري في المملكة من اضطهاد، وما تبعه من رحلة خطيرة للوصول إلى بر الأمان عبر صحراء الربع الخالي القاحلة في شرق المملكة العربية السعودية هي مجرد مثال آخر على المخاطر التي يواجهها المواطنون السعوديون الذين يسيئون إلى زعيم المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى