صحافة عالميةصحافة عالمية

نيويورك تايمز: السعودية فتحت المجال الجوي أمام إسرائيل مقابل ترخيص بيغاسوس

ترجمة عن تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية

قدمت الشركة الإسرائيلية NSO Group برنامج التجسس “Pegasus” للسوق العالمي أول مرة عام 2011، ساهم وقتها في إحداث فرق كبير في التعامل مع الجريمة وتتبع المجرمين.

في البداية، ساعد السلطات المكسيكية على القبض على Joaquín Guzmán Loera، أحد أكبر أباطرة المخدرات في العالم، والمعروف باسم El Chapo، كما استعان بالبرنامج المحققون الأوروبيون لإحباط المؤامرات الإرهابية، ومحاربة الجريمة المنظمة، بل ساهم البرنامج في القضاء على شبكة عالمية لإساءة معاملة الأطفال، وتحديد عشرات المشتبه بهم في أكثر من 40 دولة. بمعنى أوسع، ساعدت منتجات NSO في حل واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات في القرن الحادي والعشرين.

لكن مع الوقت، تحول “بيغاسوس” إلى أداة لارتكاب جرائم في يد الأنظمة الاستبدادية بدلاً من القضاء على الجريمة حول العالم. بدأت الانتهاكات في الظهور بشكل أوضح عام 2019، حين استخدمت المكسيك البرنامج ليس فقط ضد رجال العصابات، ولكن أيضًا ضد الصحفيين والمعارضين السياسيين، كما استخدمت الإمارات العربية المتحدة البرنامج لاختراق هاتف ناشط في مجال الحقوق المدنية ألقته الحكومة في السجن.

السعودية قامت باستخدامه ضد نشطاء حقوق المرأة، ووفقًا لدعوى رفعها معارض سعودي، فقد استخدم البرنامج للتجسس على جمال خاشقجي، كاتب عمود في صحيفة واشنطن بوست، الذي قتله عملاء سعوديون وقطعوا أوصالهم في اسطنبول عام 2018.

عام 2017، قررت السلطات الإسرائيلية الموافقة على بيع “بيغاسوس” للمملكة، وتحديداً لوكالة أمنية تحت إشراف مباشر من محمد بن سلمان -ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للبلاد، في صفقة بلغت قيمة رسومها الأولية 55 مليون دولار.

قامت مجموعة صغيرة من كبار أعضاء مؤسسة الدفاع الإسرائيلية، الذين يقدمون تقاريرهم مباشرة إلى نتنياهو، بدور قيادي في المفاوضات مع السعوديين، كل ذلك “أثناء اتخاذ إجراءات سرية متطرفة”، وفقًا لأحد الإسرائيليين المطلعين على الاتصالات، الذي أكد أن الهدف الرئيسي من هذه الصفقة هو: كسب التزام الأمير محمد وامتنانه.

بعد مقتل خاشقجي في 2018، طلب أعضاء من لجنة الأخلاقيات المكونة من فريق من الحزبين من مسؤولي السياسة الخارجية الأمريكيين السابقين الذين يقدمون المشورة بشأن العملاء المحتملين، عقد اجتماع عاجل لمناقشة القصص المتداولة حول NSO، لكن شاليف هوليو -الرئيس التنفيذي للشركة- نفى بشكل قاطع استخدام بيغاسوس للتجسس على كاتب العمود في واشنطن بوست، بل أكد أن موظفيه قاموا بالتحليلات المطلوبة مع السجلات السعودية ولم يجدوا أي استخدام لأي منتج أو تقنية تابعة لـ NSO ضد خاشقجي.

ومع ذلك، حثت اللجنة NSO على إغلاق نظام Pegasus في المملكة العربية السعودية، وبالفعل امتثلت للطلب، كما نصحت اللجنة شركة NSO برفض طلب لاحق من الحكومة الإسرائيلية لإعادة ربط نظام القرصنة في المملكة العربية السعودية.

لكن في العام التالي، تغير مسار الشركة، حيث قامت شركة Novalpina البريطانية للأسهم الخاصة، التي تعمل بالتعاون مع هوليو، بشراء أسهم Francisco Partners في NSO ، بقيمة 1 مليار دولار – أكثر من خمسة أضعاف ما كانت عليه عندما استحوذ عليها الصندوق الأمريكي في عام 2014، وفي أوائل عام 2019  وافقت NSO على إعادة تشغيل نظام Pegasus في المملكة العربية السعودية، ومنح تراخيص جديدة لها، بالرغم من كافة المناشدات والطلبات بوقف التعامل مع المملكة بعد فضيحة مقتل خاشقجي التي تسببت في إلقاء الضوء بصورة أكثر عمقاً على استخدامات بيغاسوس “غير المشروعة” من قبل الحكومات، والنتائج الكارثية المترتبة عليه.

كان إبقاء السعوديين سعداء والحفاظ على الود معهم أمراً مهمًا لنتنياهو، الذي كان في خضم مبادرة دبلوماسية سرية يعتقد أنها ستعزز إرثه كرجل دولة، خاصة بعد نجاحه في إحراز تقارب رسمي بين إسرائيل والعديد من الدول العربية: في سبتمبر/أيلول 2020، وقع نتنياهو ودونالد ترامب ووزيرا خارجية الإمارات العربية المتحدة والبحرين على اتفاق أبراهام، وأعلن جميع الموقعين عليه باعتباره حقبة جديدة من السلام في المنطقة.

لكن وراء كواليس اتفاق السلام كان هناك سوق أسلحة في الشرق الأوسط، وافقت إدارة ترامب بهدوء على قلب السياسة الأمريكية السابقة وبيع مقاتلات F-35 المشتركة وطائرات بدون طيار مسلحة من طراز Reaper إلى الإمارات العربية المتحدة، وأمضت أسابيع في تهدئة مخاوف إسرائيل من أنها لن تكون الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك مقاتلات F-35 المتطورة. وصف بومبيو -وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد ترامب- لاحقاً صفقات الطائرات في مقابلة بأنها “حاسمة” للحصول على موافقة محمد بن زايد على الخطوة التاريخية [التطبيع مع إسرائيل]، وبحلول الوقت الذي تم فيه الإعلان عن اتفاقيات أبراهام، كانت إسرائيل قد منحت تراخيص لبيع بيغاسوس لجميع الموقعين تقريبًا.

واجهت الأمور عقبة بعد شهر، عندما انتهت رخصة التصدير السعودية، وأصبح الأمر متروك لوزارة الدفاع الإسرائيلية لتقرر ما إذا كانت ستجددها أم لا، في البداية تم رفض تجديد الرخصة بسبب سوء استخدام البرنامج من قبل السعودية، وبالطبع بدون ترخيص لن تتمكن NSO من توفير الصيانة الروتينية للبرنامج، وبالتالي كانت الأنظمة تتعطل.

في البداية فشلت مكالمات عديدة بين مساعدي الأمير محمد ومديري NSO والموساد ووزارة الدفاع الإسرائيلية في حل المشكلة، لذلك أجرى ولي العهد مكالمة هاتفية عاجلة بصورة مباشرة مع نتنياهو، ووفقًا لأشخاص مطلعين على المكالمة، أراد ولي العهد تجديد رخصة بيغاسوس للسعودية.

كان للأمير محمد قدر كبير من النفوذ والقدرة على انتزاع موافقة نتنياهو بالرغم من أن والده -الملك سلمان- لم يكن ضمن الموقعين على اتفاقيات التطبيع، لكن بن سلمان أبدى مباركته الضمنية لهذه الاتفاقيات، وسمح لجزء حاسم من الاتفاقية بالمضي قدمًا: استخدام المجال الجوي السعودي، لأول مرة على الإطلاق، من قبل الطائرات الإسرائيلية التي تحلق شرقًا في طريقها إلى الخليج العربي.

القرار السعودي بفتح الأجواء أمام الطائرات الإسرائيلية مهم للغاية لضمان نجاح اتفاقيات أبراهام، وإذا غير السعوديون رأيهم بشأن استخدام مجالهم الجوي، فقد ينهار عنصر عام مهم في الاتفاقات.

يبدو أن نتنياهو لم يكن على دراية بأزمة الترخيص، ولكن بعد المحادثة مع الأمير محمد، أمر مكتبه على الفور وزارة الدفاع بإصلاح المشكلة. في تلك الليلة، اتصل مسؤول في الوزارة بغرفة عمليات NSO لإعادة تشغيل الأنظمة السعودية، لكن ضابط الامتثال في NSO المناوب رفض الطلب دون الحصول على ترخيص موقع، وعندما أخبر أن الأوامر جاءت مباشرة من نتنياهو، وافق موظف NSO على قبول بريد إلكتروني من وزارة الدفاع، وبعد ذلك بوقت قصير، عادت أنظمة بيغاسوس في المملكة العربية السعودية للعمل مرة أخرى.

في صباح اليوم التالي، وصل ساعي من وزارة الدفاع إلى مقر NSO لتسليمه تصريحًا مختومًا ومختومًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى