تقارير

هكذا تم الاحتفاء بالديكتاتور في مسقط رأس الديموقراطية!

خلال الأسبوع الماضي، قام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بأول رحله له لأوروبا منذ اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي عام 2018 داخل قنصلية البلاد في إسطنبول، حيث قُطعت أوصاله، ولم يعثر على رفاته حتى الآن.

كانت اليونان هي وجهة محمد بن سلمان الأولى خلال جولته الأوروبية، وهناك تم توقيع حوالي 17 مذكرة تعاون ثنائية بقيمة 4 مليار يورو تقريباً، شملت المجالات العسكرية والاقتصادية والأمنية، والصحية، والعلمية، والتقنية.

بعد اليونان اتجه بن سلمان إلى فرنسا، حيث استقبله ماكرون بحفاوة لا تقل بذخاً عن الحفاوة اليونانية، وهناك تم مناقشة ذات الموضوعات المتعلقة بالطاقة والأوضاع المالية والاقتصادية، في تجاهل تام لحقوق الإنسان والجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام السعودي، والتي ليس أقلها اغتيال خاشقجي.

جريمة قتل خاشقجي سببت هزة عنيفة لعلاقة المملكة العربية السعودية مع نظرائها في العالم الغربي، وأثرت بصورة كبيرة على سمعتها أمام الشعوب المختلفة التي لم تكن لتحترم أي تواصل بين حكوماتها وبين النظام السعودي الذي لوثت يده بدماء المعارضين، وكذلك بسبب الحرب الدامية في اليمن التي خلفت خسائر بشرية بين المدنيين (أطفال ونساء وشيوخ) وخلقت في اليمن أسوأ كارثة إنسانية في العالم.

كانت السعودية في عزلة شبه تامة عن العالم الغربي بسبب انتهاكاتها المستمرة ضد حقوق الإنسان في الداخل والخارج، تعهد قادة بعض الدول بمحاسبة المتورطين في اغتيال خاشقجي، مثل بايدن، فيما جمدت دول أخرى التعاون العسكري مع البلاد لفترة، لكن سرعان ما تحطمت هذه الشعارات التي ادعت الانتصار للإنسانية ولحقوق الإنسان أمام صخرة النفط والمصالح الاقتصادية.

وفي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، ارتفعت أسعار الطاقة بصورة جنونية، لذلك وجدت الدول الأوروبية والولايات المتحدة أنفسها أمام مأزق بسبب نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بعد فرض عقوبات على روسيا بسب الحرب، وعليه، لم يكن أمامهم سوى “خيار وحيد” -على حد وصف أحد المسؤولين الفرنسيين- للخروج من هذه الأزمة: التعاون مع محمد بن سلمان زعيم أكبر منتج للنفط، من أجل حثه على زيادة الإنتاج والحصول على أسعار أرخص.

خلال رحلته، وعد بن سلمان اليونانيين بتزويد أوروبا بالطاقة “بأسعار أرخص بكثير”، وذلك خلال حفل ضخم لم يسبق له نظير، كما عقد بن سلمان اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الوزراء اليوناني، في قصر مكسيموس بأثينا.

المفارقة المحزنة، أن الاتفاقيات التي أكدت فيها اليونان عن تجاهلها لحق خاشقجي، وإعطاء ظهرها لحقوق الإنسان بصفة عامة، تم توقيعها مع القائد المستبد في مسقط رأس الديموقراطية: في أثينا، التي انطلقت من خلالها مبادئ الديموقراطية الحديثة وقيم حقوق الإنسان التي يتغنى الغرب باحترامها ولالتزام بها.

أنظمة وحكومات العالم الغربي أظهروا نفاقاً واضحاً في التعامل مع القضايا المختلفة، وأثبتوا -بما لا يدع مجالاً للشك- أنهم يعانون من ازدواجية في المعايير، وأن كل المثل العليا والقيم الإنسانية لا مجال لها حين تتحدث المادة، ويحضر النفط.

لقد نسي القادة الغربيين حديثهم عن أزمة المناخ، وراحوا يتسارعون لطلب ود محمد بن سلمان، القاتل وفقاً لتقارير أجهزتهم الأمنية، وذلك من أجل الحصول على “طاقة بثمن أرخص”، دون النظر إلى أضرار ذلك على البيئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى