تقارير

ثماني سنوات على اعتقال خالد العمير… ناشط سعودي عوقب لأنه اشتكى من التعذيب  

تذكّر منظمة “معًا من أجل العدالة” بقضية الناشط الحقوقي السعودي خالد العمير، الذي يُكمل هذه الأيام عامه الثامن خلف القضبان منذ إعادة اعتقاله في يونيو/حزيران 2018، لا بسبب ارتكابه جريمة، بل بعد أن مارس حقًا يفترض أن يكون مكفولًا لأي ضحية: تقديم شكوى رسمية إلى الديوان الملكي بشأن ما تعرض له من تعذيب وسوء معاملة خلال اعتقال سابق.

بدلًا من أن تفتح السلطات السعودية تحقيقًا مستقلًا في الانتهاكات التي أبلغ عنها، أعادت اعتقاله، في واحدة من أكثر القضايا دلالة على طبيعة العدالة داخل المملكة، حيث لا يُحاسب الجلاد، بل يُعاقب من يطالب بمحاسبته. ومنذ ذلك الوقت، تحولت شكواه من محاولة للانتصاف إلى سبب لمزيد من الاحتجاز والمعاناة.

تعود خلفية قضية خالد العمير إلى سنوات سابقة، حين عُرف بنشاطه السلمي ومواقفه الداعية إلى الإصلاح، بما في ذلك المطالبة بإصلاحات دستورية أكثر عدالة، والتعبير عن مواقف داعمة لحقوق الفلسطينيين. وهي مواقف تندرج في إطار حرية الرأي والتعبير والعمل الحقوقي السلمي، لكنها كانت كافية لجعله هدفًا للأجهزة الأمنية السعودية.

وخلال اعتقاله السابق، أفاد العمير بتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة داخل السجن. وبعد الإفراج عنه، اختار اللجوء إلى الطريق الرسمي، فقدم شكوى إلى الديوان الملكي مطالبًا بالتحقيق في ما تعرض له ومحاسبة المسؤولين عنه. غير أن السلطات لم تتعامل مع الشكوى باعتبارها بلاغًا عن انتهاك خطير، بل كأنها تحدٍّ يجب إسكات صاحبه.

وفي عام 2021، صدر بحقه حكم بالسجن، قبل أن يتم تشديد العقوبة لاحقًا إلى 9 سنوات، في محاكمة شابتها مخاوف جدية بشأن غياب الشفافية وضمانات العدالة. واستندت القضية في جوهرها إلى نشاطه السلمي وآرائه الإصلاحية، فضلًا عن محاولته المطالبة بالمحاسبة عن التعذيب، بما يكشف أن القضاء استُخدم لمعاقبة الضحية بدل إنصافه.

إن قضية خالد العمير تكشف نمطًا خطيرًا في السعودية، حيث لا يقتصر القمع على إسكات النشطاء وأصحاب الرأي، بل يمتد إلى معاقبة من يحاولون استخدام القنوات الرسمية للإبلاغ عن الانتهاكات. فعندما يصبح تقديم شكوى عن التعذيب سببًا للاعتقال، تنهار فكرة العدالة من أساسها، وتتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية المنتهكين لا الضحايا.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استمرار احتجاز خالد العمير بعد ثماني سنوات من إعادة اعتقاله يمثل انتهاكًا صارخًا للحق في الحرية والأمان الشخصي، وحرية الرأي والتعبير، والحق في الانتصاف الفعال. كما أن معاقبته على خلفية شكوى تتعلق بالتعذيب يوجه رسالة خطيرة لكل الضحايا داخل السعودية: الصمت هو الخيار الوحيد الآمن، ومن يطالب بالمحاسبة قد يصبح هو المتهم.

وتزداد خطورة القضية في ظل غياب آليات مستقلة وفعالة للتحقيق في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون السعودية، واستمرار استخدام القضاء في قضايا معتقلي الرأي كأداة لشرعنة الانتقام السياسي والأمني. فبدلًا من حماية الضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات، تستخدم السلطات الإجراءات القضائية لإطالة الاحتجاز وكسر إرادة المطالبين بالعدالة.

ومن الناحية القانونية، فإن اعتقال خالد العمير بسبب نشاطه السلمي، ثم معاقبته بعد تقديمه شكوى رسمية بشأن التعذيب، يشكل احتجازًا تعسفيًا وانتهاكًا لالتزامات السعودية بحظر التعذيب وسوء المعاملة، وضمان حق الأفراد في تقديم الشكاوى دون خوف من الانتقام. كما أن أي محاكمة تستند إلى نشاط حقوقي أو تعبير سلمي لا يمكن اعتبارها محاكمة عادلة، بل جزءًا من منظومة قمعية أوسع.

وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة خالد العمير الجسدية والنفسية، وتطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وإلغاء الحكم الصادر بحقه، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة التي أبلغ عنها، ومحاسبة كل من تورط فيها أو تستر عليها.

كما تدعو المنظمة الأمم المتحدة، والمقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب والاحتجاز التعسفي وحرية الرأي والتعبير، إلى التحرك الجاد بشأن قضيته، والضغط على السلطات السعودية لإنهاء سياسة معاقبة الضحايا والمبلّغين عن الانتهاكات.

بعد ثماني سنوات على اعتقال خالد العمير، لم تعد قضيته مجرد ملف سجين رأي، بل شاهدًا على واقع تُجرَّم فيه المطالبة بالعدالة، وتتحول فيه الشكوى من التعذيب إلى تهمة غير معلنة. إن الإفراج عنه والتحقيق في ما تعرض له ليسا مطلبًا إنسانيًا فقط، بل اختبار حقيقي لأي حديث عن الإصلاح أو سيادة القانون في السعودية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى