مقتل محتجز سياسي داخل الحجز في البحرين تحت التعذيب

تدين منظمة معًا من أجل العدالة بأشد العبارات مقتل الشاب البحريني محمد عبد المحسن محمد الموسوي (32 عاماً) داخل مقر احتجازه لدى السلطات البحرينية تحت التعذيب، وتحمّل الدولة المسؤولية الكاملة والمباشرة عن مقتله، في واقعة تمثل جريمة جسيمة وانتهاكاً صارخاً للحق في الحياة وحظر التعذيب المنصوص عليهما في القانون الدولي.
إن وفاة الموسوي أثناء احتجازه، ووجود إصابات على جسده أقرت بها السلطات نفسها، بالتوازي مع شهادة عائلته التي تؤكد تعرضه للتعذيب، لا يمكن تفسيرها باعتبارها “ظروفاً غامضة”، بل تكشف عن استخدام العنف داخل أماكن الاحتجاز، في ظل غياب الضمانات الأساسية لحماية المحتجزين من سوء المعاملة.
تفاصيل الواقعة
توفي محمد الموسوي، وهو من أهالي المحرق شمال شرق البحرين، صباح يوم الجمعة، بعد أيام قليلة من توقيفه. وبحسب رواية عائلته، فقد جرى توقيفه من نقطة تفتيش برفقة الرادود أحمد الموسوي وأربعة آخرين، قبل نقله إلى جهة غير معلومة، دون تمكين ذويه من معرفة مكان احتجازه أو التواصل معه.
وأفادت العائلة بأنها تلقت اتصالاً من السلطات لاستلام جثمانه من المستشفى العسكري، مشيرة إلى وجود آثار إصابات واضحة على جسده، ومرجّحة أن الوفاة جاءت نتيجة تعرضه للتعذيب أثناء الاحتجاز. كما أشارت إلى أن الجهات الأمنية طلبت عدم نشر صور الجثمان أو الإدلاء بتصريحات حول أسباب الوفاة.
وكان الموسوي قد أمضى أكثر من عشرة أعوام في السجن سابقاً على خلفية قضايا مرتبطة بالحراك السياسي، قبل الإفراج عنه ضمن الإفراجات التي شهدها عام 2024، ما يعزز الطابع السياسي المرتبط بسياق توقيفه الأخير. وقد شُيّع جثمانه في مسقط رأسه بالمحرق وسط مشاركة شعبية.
الرواية الرسمية
من جانبها، أقرت وزارة الداخلية بأن الموسوي كان موقوفاً لدى جهاز المخابرات الوطني على ذمة قضية تتعلق بـ“السعي والتخابر ونقل معلومات وبيانات إلى الحرس الثوري الإيراني”، مشيرة إلى أن توقيفه جاء بناءً على أمر ضبط وإحضار. ورغم ذلك، لم يكن قد صدر بحقه أي حكم قضائي حتى وقت وفاته.
كما لم تنكر السلطات وجود إصابات على جسده، لكنها ادعت أن الصور المتداولة “غير دقيقة” و”استُخدمت بقصد الاستثارة”، واعتبرت أن هذه الإصابات لا ترتبط بأعمال تعذيب، دون تقديم تفسير واضح لطبيعتها أو أسبابها.
وأعلنت الوزارة إحالة الواقعة إلى وحدة التحقيق الخاصة التابعة للنيابة العامة، للتحقيق في ظروف الوفاة وأسباب الإصابات، مع إنكار كامل لأن تكن وفاته تحت التعذيب.
تؤكد منظمة معًا من أجل العدالة أن الدولة تتحمل المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة أي شخص تحتجزه، وأن وفاة الموسوي داخل الاحتجاز تمثل انتهاكاً مباشراً لهذا الالتزام.
كما أن احتجازه في جهة غير معلومة لفترة من الزمن، دون تمكينه من التواصل مع عائلته، يندرج ضمن أنماط الإخفاء القسري، وهو ما يزيد من خطورة الانتهاكات التي تعرض لها.
إن إقرار السلطات بوجود إصابات على الجثمان، دون تقديم تفسير طبي مستقل وشفاف، إلى جانب نفي صلتها بالتعذيب بشكل غير مدعوم بأدلة، يعزز الشبهات حول تعرضه لسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
كما أن محاولة ربط الواقعة باتهامات لم يُفصل فيها قضائياً، لا يغيّر من حقيقة أن الضحية كان محتجزاً دون حكم، ويتمتع بكامل حقوقه القانونية، وعلى رأسها الحق في الحياة والسلامة الجسدية.
سياق أمني متصاعد
تأتي هذه الواقعة في سياق تصعيد أمني تشهده البحرين، بالتزامن مع التوترات الإقليمية، حيث تشير المعلومات إلى استدعاء عدد من رجال الدين وخطباء المنابر للتحقيق بسبب مضامين خطبهم، وفرض رقابة مشددة على المحتوى الديني. كما تم إحالة عشرات المواطنين إلى المحاكمة بتهم تتعلق بـ“التخابر”، في ظل غياب الشفافية بشأن هذه القضايا.
ووفقاً لما وثقته جهات معنية، فقد تم اعتقال 164 بحرينياً وبحرينية منذ اندلاع التصعيد، أُفرج عن سبعة منهم فقط، بينما لا يزال 157 قيد الاحتجاز، في قضايا شملت مشاركين في احتجاجات سلمية وأشخاصاً عبّروا عن آرائهم أو قاموا بتوثيق أحداث.
إن مقتل محمد الموسوي داخل الاحتجاز ليس حادثة معزولة، بل يعكس نمطاً مقلقاً من الانتهاكات المرتبطة باستخدام الاحتجاز كأداة قمع، في ظل غياب الضمانات القانونية والرقابة المستقلة.
وتطالب منظمة معًا من أجل العدالة بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الوفاة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم إفلات أي طرف من العقاب، إضافة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان حماية جميع المحتجزين من التعذيب وسوء المعاملة.
كما تؤكد أن استمرار مثل هذه الانتهاكات يقوض الثقة في منظومة العدالة، ويثير مخاوف جدية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.



