
تثبت البحرين اليوم، من جديد، أن مسارها السياسي يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لأي حديث عن انفتاح أو إصلاح. فاعتقال الناشط البارز إبراهيم شريف في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بمجرد وصوله إلى مطار البحرين الدولي، بعد مشاركته في مؤتمر قومي عربي في بيروت، يكشف بوضوح أن السلطة في المنامة ما زالت ترى في الكلمة جريمة، وفي التعبير السلمي تهديدًا، وفي أي رأي مستقل مساسًا بـ”أمن الدولة” يجب إسكات صاحبه فورًا. وما قاله شريف لا يتجاوز دعوة علنية لدعم الفلسطينيين—دعوة يقوم بها ملايين العرب يوميًا. لكن في البحرين، كما في بقية الأنظمة الخليجية القمعية، مثل السعودية والإمارات، يصبح دعم فلسطين عملاً مُجرّمًا إذا لم ينسجم مع الرواية الرسمية.
اعتُقل شريف على خلفية تصريحات اعتبرتها السلطات “إساءة لدول عربية” و“نشر أخبار كاذبة”، وهي الاتهامات الجاهزة التي اعتادت الأجهزة الأمنية استخدامها لإسكات أي صوت خارج الخط الرسمي. المتحدثون باسم السلطة، والنيابة العامة، ومؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي الحقوق، باتت جميعها أدوات لتجريم حرية الرأي. هذا الاعتقال ليس معزولًا ولا مفاجئًا؛ فهو الاعتقال العاشر للرجل منذ 2011، في نمط ثابت من الانتقام السياسي الممنهج ضد أحد أبرز قيادات المعارضة المدنية في البحرين.
وليس سرًّا أن تاريخ شريف مع السلطة البحرينية مليء بمحاولات كسر إرادته: اعتقال وتعذيب ومحاكمات عسكرية، حرمان من التواصل مع عائلته، احتجاز انفرادي، تهم ملفقة، ومنعه من السفر… وكل ذلك فقط لأنه مارس حقه الطبيعي في النقد السلمي. تعرّض للتعذيب—بما في ذلك الحرمان من النوم، الاعتداء الجسدي، والإساءة الجنسية—ثم أُعيد اعتقاله مرارًا كلما أدلى برأي أو انتقد فسادًا أو علّق على زيارة أو كتب تغريدة. حتى عباراته حول “تبييض القمع” خلال زيارة سابقة لملك بريطانيا كانت كافية لإعادته إلى الزنزانات.
قضية شريف تجسيد دقيق لما أصبحت عليه البحرين اليوم: دولة تُدار بمنطق أمني صرف يعتبر أي اختلاف تهديدًا وجوديًا. البحرين ليست منفصلة عن محيطها؛ بل هي جزء من منظومة خليجية أوسع تتعامل مع الحريات باعتبارها رفاهية ممنوعة، ومع المجتمع المدني باعتباره خطراً يجب القضاء عليه. وفي الوقت الذي تواصل فيه البحرين قمع مواطنيها، وتزج بـ320 معتقلًا سياسيًا خلف القضبان—من بينهم رموز الحركة الحقوقية مثل حسن مشيمع، عبد الهادي الخواجة، وعبد الجليل السنكيس—توقّع حكومات الغرب صفقات تجارية بمليارات الدولارات مع النظام ذاته دون أن تذكر كلمة واحدة عن المعتقلين أو التعذيب أو أحكام الإعدام.
نحن في “معًا من أجل العدالة” نؤكد أن اعتقال إبراهيم شريف ليس مجرد انتهاك فردي، بل جزء من نمط ممنهج يستهدف سحق المعارضة، وتجريم النقد، وإعادة تشكيل المجال العام على مقاس السلطة وحدها. إنّ استمرار احتجازه بسبب تصريحات سلمية حول فلسطين، في وقت ترتكب فيه إسرائيل جرائم حرب وإبادة موثقة، يكشف حجم الانهيار الأخلاقي للمنظومة الأمنية البحرينية، ويكشف كذلك حجم التواطؤ الإقليمي والدولي مع سياسة تحويل الخليج العربي إلى فضاء مغلق تُصادر فيه الكلمة، ويُعاقَب فيه الضمير.
نطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن إبراهيم شريف، وإسقاط كافة التهم العبثية الموجهة إليه، ووقف دوامة الانتقام السياسي التي تمارسها السلطات ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضة السلمية. ونحمّل الحكومة البحرينية المسؤولية الكاملة عن سلامته، كما ندعو الحكومات الغربية—وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي—إلى إنهاء سياسة تبييض القمع ووقف دعم وإعادة تأهيل الأنظمة التي تبني سلطتها على الاعتقال والتعذيب وإسكات كل صوت حر.



