تقارير

موسى الغنامي… باحث شرعي في العزل الانفرادي منذ 2017 بسبب نصرته لقضايا الشعوب

تذكّر منظمة “معًا من أجل العدالة” بقضية الباحث الشرعي السعودي موسى الغنامي، المعتقل منذ سبتمبر/أيلول 2017 ضمن الحملة الواسعة التي شنتها السلطات السعودية ضد دعاة وأكاديميين وباحثين وحقوقيين وأصحاب رأي مستقلين، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز محطات القمع المنظم في المملكة خلال السنوات الأخيرة.

ويقترب الغنامي اليوم من إكمال تسع سنوات خلف القضبان، بعدما وُضع في الحبس الانفرادي لسنوات طويلة منذ اعتقاله، ولم يُخرج منه إلا لعرضه على محاكمة في الرياض بتهم فضفاضة وخطيرة، من بينها “تهديد أمن الدولة” و”التخابر مع جهات أجنبية”، على خلفية نشاطه الفكري والحقوقي في نصرة قضايا الشعوب، وعلى رأسها القضية السورية.

إن قضية موسى الغنامي تكشف كيف تحوّل التضامن مع الشعوب المقهورة، والدفاع عن حقها في الحرية والعدالة، إلى ملف أمني داخل السعودية. فالرجل لم يُعرف عنه دعم للعنف أو التحريض عليه، بل عُرف بمناهضته للتنظيمات المتشددة ورفضه للفكر المتطرف، ومع ذلك جرى اعتقاله ومحاكمته تحت عناوين أمنية فضفاضة تُستخدم عادة لتجريم الرأي السلمي وتبرير الاحتجاز المطول.

ومنذ لحظة اعتقاله، تعرض الغنامي لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة، شملت الاعتقال التعسفي، والعزل الانفرادي المطول، والحرمان من التواصل المنتظم مع أسرته، والقيود على حقه في الدفاع والتمثيل القانوني، إضافة إلى انقطاع أخباره لفترات طويلة. هذه الانتهاكات لا تمثل مجرد تجاوزات إجرائية، بل نمطًا متعمدًا لعزل المعتقل وكسر إرادته وإبقائه خارج أي رقابة مستقلة.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استخدام الحبس الانفرادي لسنوات بحق موسى الغنامي يمثل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء، لا سيما أن العزل المطول قد يرقى إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو التعذيب النفسي، خاصة عندما يُستخدم ضد معتقلي الرأي كوسيلة للعقاب والضغط وليس كإجراء استثنائي محدود.

كما أن طبيعة التهم الموجهة إليه تثير مخاوف جدية بشأن تسييس الإجراءات القضائية. فاتهامات مثل “تهديد أمن الدولة” و”التخابر مع جهات أجنبية” تُستخدم في السعودية بصورة متكررة ضد أصحاب الرأي والدعاة والناشطين، دون شفافية كافية بشأن الأدلة أو الأفعال المحددة المنسوبة إليهم. وفي حالة الغنامي، يبدو أن جوهر القضية مرتبط بمواقفه الفكرية والإنسانية من قضايا الشعوب، لا بأي نشاط جنائي حقيقي.

لقد عاقبت السلطات موسى الغنامي لأنه انحاز إلى قضايا الحرية والعدالة في المنطقة، ورفض منطق الاستبداد والقمع، وعبّر عن مواقف لا تتوافق مع الخط السياسي الرسمي. وبهذا المعنى، فإن سجنه ليس عقوبة على جريمة، بل عقوبة على موقف.

وتأتي قضيته ضمن نمط أوسع طال شخصيات عديدة منذ حملة سبتمبر 2017، حيث جرى تحويل القضاء إلى أداة لمعاقبة الأصوات المستقلة، وإخضاع المجال الديني والفكري والحقوقي لسيطرة الدولة الكاملة. وفي هذا السياق، لم يعد التعبير عن الرأي أو التضامن مع الشعوب أو نقد الاستبداد ممارسة محمية، بل أصبح سببًا كافيًا للسجن والعزل والتنكيل.

ومن الناحية القانونية، فإن استمرار احتجاز موسى الغنامي بسبب نشاطه السلمي ومواقفه الفكرية يمثل انتهاكًا لحقه في الحرية والأمان الشخصي، وحقه في حرية الرأي والتعبير، وحقه في محاكمة عادلة وعلنية أمام قضاء مستقل. كما أن استمرار عزله وحرمانه من حقوقه الأساسية يضاعف من مسؤولية السلطات السعودية عن سلامته الجسدية والنفسية.

وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن حياة موسى الغنامي وسلامته، وتطالب بالكشف الفوري عن وضعه الصحي والقانوني الحالي، وإنهاء عزله الانفرادي فورًا، وتمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه.

كما تطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بمواقفه وآرائه ونشاطه السلمي، وفتح تحقيق مستقل في ظروف اعتقاله واحتجازه وما تعرض له من انتهاكات منذ سبتمبر 2017.

إن موسى الغنامي لم يُسجن لأنه شكّل خطرًا على المجتمع، بل لأنه دافع عن قضايا الشعوب ورفض الظلم والاستبداد. وبعد سنوات طويلة من العزل والسجن، تبقى قضيته شاهدًا على واقع تُجرَّم فيه الكلمة الحرة، ويُعاقَب فيه التضامن الإنساني كما لو كان تهديدًا لأمن الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى