تقارير

عبد الله الخديدي… مهندس سعودي مختف منذ 2018 لأنه طالب بفرص عادلة لذوي الإعاقة والكفاءات

تذكّر منظمة “معًا من أجل العدالة” بقضية المهندس السعودي الشاب عبد الله الخديدي، المعتقل منذ يوليو/تموز 2018، والذي يُكمل في هذه الفترة ثماني سنوات من الاعتقال والاختفاء، ويدخل عامه التاسع دون أن تعرف عائلته مكان احتجازه أو وضعه الصحي أو القانوني، ودون أن تعلن السلطات السعودية أي مسار قضائي واضح في قضيته.

قضية عبد الله الخديدي ليست مجرد قضية معتقل رأي آخر في السعودية، بل تكشف وجهًا مضاعفًا من القمع: قمع حرية التعبير من جهة، والتنكّر لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من جهة أخرى. فالشاب الذي عاد إلى بلاده حاملًا شهادة في الهندسة الكهربائية من كندا، وطموحًا في المشاركة في بناء مستقبله ومستقبل بلده، وجد نفسه خلف القضبان بعد أن عبّر عن معاناته ومعاناة أصحاب الكفاءات من ذوي الإعاقة وغياب الفرص العادلة أمامهم.

تعود وقائع القضية إلى يوليو/تموز 2018، حين نشر الخديدي سلسلة تغريدات تحدّث فيها عن تقليص المساحات المتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، وطالب بمنحهم فرصًا حقيقية في سوق العمل والمجتمع، على أساس الكفاءة والقدرة لا على الإقصاء أو الشفقة. لم تتضمن هذه المطالب أي تحريض أو تهديد أو مخالفة قانونية، بل كانت تعبيرًا مشروعًا عن تجربة شخصية ومطلبًا حقوقيًا واضحًا يتعلق بالمساواة وتكافؤ الفرص.

لكن السلطات السعودية تعاملت مع هذه التغريدات باعتبارها سببًا للاعتقال. ومنذ ذلك الحين، انقطعت أخبار عبد الله الخديدي تمامًا عن عائلته، التي حاولت مرارًا معرفة مكان احتجازه وظروفه الصحية والقانونية، دون استجابة واضحة من السلطات. ويزيد من خطورة هذا التعتيم أنه يعاني من إعاقة في يده، ومن أمراض في القلب، ويحتاج إلى رعاية صحية خاصة وظروف احتجاز تراعي حالته الجسدية والطبية.

إن إخفاء مصير شخص يعاني من ظروف صحية خاصة لسنوات طويلة، وحرمان عائلته من معرفة مكانه أو الاطمئنان عليه، يمثل انتهاكًا جسيمًا لا يقتصر على حرمانه من الحرية، بل يمتد إلى تعريض حياته وسلامته للخطر. فالدولة التي تحتجز شخصًا بهذه الحالة تتحمل مسؤولية مضاعفة عن توفير الرعاية الصحية المناسبة، وضمان عدم تعريضه لأي معاملة قاسية أو إهمال طبي.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن عبد الله الخديدي لم يرتكب جريمة. كل ما فعله أنه طالب بمساحة عادلة للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع وسوق العمل، وعبّر عن إحباطه من غياب الفرص أمام أصحاب الكفاءات العلمية والعقلية. ومن غير المقبول أن تتحول المطالبة بالدمج والعدالة وتكافؤ الفرص إلى سبب للاعتقال والإخفاء.

وتكشف قضيته تناقضًا صارخًا في الخطاب الرسمي السعودي حول التنمية والتمكين و”رؤية 2030”. فالدولة التي تتحدث عن تحديث سوق العمل واستثمار الطاقات البشرية لا يمكنها في الوقت نفسه أن تعتقل شابًا مؤهلًا لأنه طالب بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في الفرص والاعتراف والمشاركة. الإصلاح الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بحماية من يطالبون بالعدالة لا بإخفائهم.

ومن الناحية القانونية، فإن اعتقال عبد الله الخديدي بسبب تغريدات سلمية يمثل انتهاكًا مباشرًا لحرية الرأي والتعبير، كما أن انقطاع أخباره منذ اليوم الأول يثير مخاوف جدية من تعرضه للاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي. كذلك فإن تجاهل حالته الصحية واحتياجاته الخاصة يشكل انتهاكًا إضافيًا لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولحقه في الصحة والسلامة الجسدية.

وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن حياة عبد الله الخديدي وسلامته الجسدية والنفسية، وتطالب بالكشف الفوري عن مكان احتجازه ووضعه الصحي والقانوني، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه دون قيود، وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة.

كما تطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وفتح تحقيق مستقل في ظروف اعتقاله وإخفائه، ومحاسبة المسؤولين عن حرمانه من حقوقه الأساسية. وتدعو كذلك الآليات الأممية والمنظمات الحقوقية المعنية بحرية الرأي وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى التحرك العاجل بشأن قضيته.

بعد ثماني سنوات من الاختفاء، تبقى قضية عبد الله الخديدي شاهدًا على واقع يصبح فيه الحديث عن المعاناة جريمة، والمطالبة بالفرص سببًا للاعتقال، والكفاءة وحدها غير كافية للنجاة من القمع. لقد أراد عبد الله الخديدي أن يكون جزءًا من مستقبل بلده، فكان الرد أن اختفى في سجونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى