من حجب الحسابات إلى حجب أصحابها خلف القضبان… قصة وليد أبو الخير تعود مع حملة الرقابة الجديدة داخل السعودية
تعيد منظمة “معًا من أجل العدالة” التذكير بقضية الحقوقي والمحامي السعودي وليد أبو الخير، المعتقل منذ عام 2014 والمحكوم عليه بالسجن 15 عامًا، وذلك بالتزامن مع حملة الحجب الجديدة التي طالت حسابات معارضين ونشطاء وحقوقيين سعوديين مقيمين في الخارج، ومنعت ظهور محتواهم داخل السعودية بناءً على طلبات من السلطات السعودية.
إن ما يحدث اليوم ليس جديدًا في جوهره، بل هو امتداد لسياسة قديمة عرفها وليد أبو الخير قبل سنوات طويلة من اعتقاله. فقد تعرضت صفحاته وحساباته للحجب والملاحقة الرقمية بسبب نشاطه الحقوقي ودفاعه عن المعتقلين، قبل أن تنتقل السلطات من حجب صوته على الإنترنت إلى حجبه جسديًا خلف القضبان.
في مداخلة تلفزيونية سابقة، تحدث وليد أبو الخير من جدة عن حجب صفحته على تويتر، موضحًا أن ما كتبه لم يتضمن شيئًا يستدعي العقاب أو الخوف، بل كان مرتبطًا بقضية قانونية رفعها ضد وزارة الداخلية بسبب الاعتقال التعسفي للمحامي والإصلاحي سليمان الرشودي. وقال حينها إن القضية ليست في مضمون ما كتبه، بل في كونه “ملاحقًا في كل ما يكتب على الإنترنت”، مشيرًا إلى أن ذلك كان الحجب الرابع الذي يتعرض له، بعد حجب مواقع وصفحات أخرى يشرف عليها.
كانت تلك المداخلة المبكرة كاشفة لطبيعة القمع السعودي قبل أن يأخذ شكله الأكثر عنفًا. فقد أكد أبو الخير وقتها أن اعتقاله كان واردًا منذ مدة طويلة، وأنه تلقى تهديدات متكررة، وأن رسائل وصلت إلى والده وشقيقه تحذر من اعتقاله قريبًا. وبعد سنوات قليلة، تحققت تلك التهديدات بالفعل، ليصبح وليد أبو الخير واحدًا من أبرز معتقلي الرأي في السعودية.
بهذا المعنى، فإن قصة وليد أبو الخير تكشف مسارًا واضحًا: تبدأ السلطات بحجب الصفحات، ثم تلاحق الحسابات، ثم تهدد صاحب الصوت، ثم تعتقله. الرقابة الرقمية ليست إجراءً منفصلًا عن السجن، بل قد تكون المرحلة الأولى منه. فالسلطة التي تحجب الموقع اليوم قد تسجن صاحبه غدًا، والهدف في الحالتين واحد: منع الصوت المستقل من الوصول إلى الناس.
واليوم، مع تجدد حملة حجب حسابات معارضين ونشطاء سعوديين من الظهور داخل المملكة، تبدو تجربة وليد أبو الخير أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فالحكومة السعودية لا تزال تتبع المنطق نفسه: منع الجمهور داخل السعودية من الوصول إلى أصوات حقوقية وإصلاحية، سواء كانت هذه الأصوات داخل البلاد أو في المنفى.
الفارق أن أدوات الرقابة تطورت، لكن النية لم تتغير. في السابق كانت السلطات تحجب مواقع وصفحات لناشطين داخل المملكة، أما اليوم فهي تطلب من منصات عالمية حجب حسابات معارضين يقيمون في الخارج عن المستخدمين داخل السعودية. وفي الحالتين، لا يكون الهدف حماية المجتمع، بل عزل المجتمع عن المعلومات والحقوقيين والروايات المستقلة.
لقد قال وليد أبو الخير مبكرًا إن الأمر لا يتعلق بتغريدة بعينها، بل بملاحقة كل ما يكتبه على الإنترنت. وهذه العبارة تختصر جوهر السياسة السعودية تجاه حرية التعبير: المشكلة ليست في منشور محدد، بل في وجود صوت مستقل لا يخضع للخط الرسمي.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن حجب الحسابات اليوم يجب أن يُقرأ في ضوء ما حدث مع وليد أبو الخير وغيره من الحقوقيين الذين بدأت ملاحقتهم بالرقابة الرقمية وانتهت بالسجن والأحكام الجائرة. فحجب الحسابات ليس مجرد إجراء تقني، بل جزء من منظومة قمع أوسع تستخدم المنع والعزل والتخويف والسجن لإغلاق المجال العام.
وليد أبو الخير دفع ثمن دفاعه عن حقوق الإنسان، وعن المعتقلين، وعن الإصلاح القانوني في السعودية. وقد كانت ملاحقته الرقمية مقدمة واضحة لما تعرض له لاحقًا من اعتقال ومحاكمة وحكم قاسٍ. واليوم، تكشف حملة الحجب الجديدة أن السلطات السعودية لم تتراجع عن سياسة إسكات الأصوات، بل وسّعتها لتشمل الفضاء الرقمي العالمي ومنصات التواصل العابرة للحدود.
وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن وليد أبو الخير، وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقه، وتعويضه عن سنوات سجنه، ووقف جميع القيود المفروضة على الحقوقيين والنشطاء وأصحاب الرأي.
كما تطالب المنظمة بوقف حملة الحجب التي تستهدف حسابات المعارضين والحقوقيين السعوديين داخل المملكة، والكشف عن جميع طلبات الرقابة المقدمة إلى منصات التواصل، وضمان حق المواطنين داخل السعودية في الوصول إلى المعلومات والآراء المستقلة دون رقابة أو عزل رقمي.
إن قصة وليد أبو الخير تقول بوضوح إن الرقابة لا تقف عند حجب صفحة. حين تعجز السلطة عن احتمال الكلمة، تبدأ بحجبها، ثم تنتهي بحبس صاحبها. وما يحدث اليوم يثبت أن المعركة في السعودية لم تعد فقط على حرية المعتقلين خلف القضبان، بل أيضًا على حق المجتمع في أن يسمع أصواتهم وأصوات من يدافعون عنهم.



