أحمد الدوش… مواطن بريطاني من أصول سودانية معتقل في السعودية رغم قرار أممي يطالب بالإفراج عنه وتعويضه
تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” استمرار احتجاز المواطن البريطاني من أصول سودانية أحمد الدوش في السعودية منذ اعتقاله في مطار الملك خالد الدولي بالرياض في 31 أغسطس/آب 2024، أثناء عودته إلى المملكة المتحدة بعد زيارة للسعودية مع زوجته وأطفاله. وتشدد المنظمة على أن استمرار فصله عن أسرته، رغم صدور رأي أممي واضح يعتبر احتجازه تعسفيًا ويدعو إلى الإفراج الفوري عنه وتعويضه، يمثل انتهاكًا خطيرًا لا يجوز تجاهله.
أحمد الدوش، وهو محلل أعمال كان يعمل في القطاع المصرفي في بريطانيا، اعتُقل بينما كان في طريقه للعودة إلى منزله في المملكة المتحدة. ومنذ ذلك الحين، تحولت رحلته العائلية إلى قضية أمنية معقدة، أبعدته عن زوجته وأطفاله، وأدخلته في مسار قضائي يثير مخاوف جدية بشأن التعسف، وغياب المحاكمة العادلة، واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب لمعاقبة التعبير السلمي.
وبحسب المعلومات الحقوقية المتاحة، ترتبط القضية بمنشورات قديمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وبما وصفته السلطات بعلاقة أو ارتباط مزعوم مع أحد المنتقدين للحكومة السعودية في الخارج. وقد خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجاز الدوش استند إلى ممارسته لحقه في حرية التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي وإلى ارتباط مزعوم بمنتقد للحكومة السعودية، معتبرًا أن احتجازه تعسفي بموجب القانون الدولي، وأنه ينبغي الإفراج عنه فورًا.
إن جوهر القضية يكشف نمطًا خطيرًا في السعودية: منشورات قديمة، أو علاقة اجتماعية مزعومة، أو تعبير محدود على الإنترنت، يمكن أن تتحول إلى ملف أمني وقضية أمام المحكمة الجزائية المتخصصة. هذه المحكمة ارتبط اسمها لسنوات بمحاكمة معتقلي الرأي، واستخدام تهم الإرهاب وأمن الدولة ضد أشخاص مارسوا حقهم في التعبير السلمي. وقد ذكرت منظمة العفو الدولية أن الدوش حُوكم بعد اعتقاله على خلفية اتهامات مرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأن الحكم الصادر بحقه خُفّض لاحقًا إلى خمس سنوات في الاستئناف.
تؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن تحويل التعبير السلمي عبر الإنترنت إلى “قضية إرهاب” يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ التناسب، وإساءة استخدام للقوانين الأمنية. فممارسة الرأي، حتى عندما تكون ناقدة أو تتصل بقضايا سياسية عامة، لا يجوز أن تقود إلى الاعتقال والمحاكمة أمام محكمة استثنائية، فضلًا عن إصدار أحكام قاسية بحق شخص لا يُنسب إليه أي فعل عنيف.
وتزداد خطورة القضية مع ما ورد عن تدهور الحالة النفسية لأحمد الدوش داخل السجن، وحرمانه من التواصل المنتظم مع أسرته، وما رافق احتجازه من قيود على اطلاع عائلته ومحاميه على تفاصيل الملف القضائي. وقد أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن صحته النفسية تدهورت بشكل ملحوظ خلال احتجازه، بينما لم تشارك السلطات السعودية وثائق المحكمة والأحكام مع أسرته بصورة كاملة.
إن احتجاز الدوش لا يمس فردًا واحدًا فقط، بل يمس أسرته أيضًا. فقد اعتُقل أثناء سفره مع زوجته وأطفاله، وكانت زوجته حاملًا بطفلهما الرابع، ليُحرم منذ ذلك الحين من وجوده الطبيعي مع عائلته ومن المشاركة في حياة أطفاله. وهذا البعد الإنساني للقضية لا يقل أهمية عن بعدها القانوني؛ فالعقوبة هنا امتدت عمليًا إلى أسرته التي تعيش منذ أكثر من عامين تحت ضغط القلق والغياب والغموض.
وترى منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استمرار احتجازه رغم رأي فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي يمثل تحديًا مباشرًا للآليات الدولية لحقوق الإنسان. فإذا كانت هيئة أممية مستقلة قد خلصت إلى أن احتجازه غير قانوني وطالبت بالإفراج عنه وتعويضه، فإن تجاهل هذا القرار يكشف إصرار السلطات السعودية على المضي في سياسة معاقبة التعبير بدل تصحيح الانتهاك.
كما تنتقد المنظمة ضعف التحرك البريطاني العلني مقارنة بخطورة القضية. فالدوش مواطن بريطاني، واحتجازه التعسفي في الخارج يستدعي موقفًا واضحًا وحازمًا من الحكومة البريطانية، لا يقتصر على الاتصالات الدبلوماسية العامة. وقد دعت منظمة العفو الدولية المملكة المتحدة إلى بذل جهد أكبر لتأمين إطلاق سراحه، خاصة بعد مرور عام على اعتقاله وصدور موقف أممي يؤكد تعسفية احتجازه.
وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة أحمد الدوش الجسدية والنفسية، وتطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه تنفيذًا لرأي فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، وتعويضه عن فترة احتجازه التعسفي، وتمكينه من العودة إلى أسرته في المملكة المتحدة.
كما تطالب المنظمة بالكشف الكامل عن وثائق قضيته، وضمان حصوله على الرعاية الطبية والنفسية اللازمة إلى حين الإفراج عنه، وتمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه دون قيود أو انتقام.
وتدعو منظمة “معًا من أجل العدالة” الحكومة البريطانية إلى اتخاذ موقف علني أكثر وضوحًا، واستخدام كل الوسائل الدبلوماسية والقانونية المتاحة للضغط من أجل الإفراج عنه. فحماية المواطنين من الاحتجاز التعسفي في الخارج لا يجب أن تخضع للحسابات السياسية أو الاقتصادية، بل لمبدأ أساسي: لا يجوز ترك مواطن خلف القضبان لمجرد منشورات قديمة أو تعبير سلمي.
إن قضية أحمد الدوش تكشف مرة أخرى كيف يمكن في السعودية أن تتحول كلمات على الإنترنت إلى حكم بالسجن، وأن يصبح مواطن أجنبي بعيدًا عن زوجته وأطفاله بسبب اتهامات لا تقوم على عنف ولا جريمة حقيقية. وبعد قرار أممي واضح يطالب بالإفراج عنه وتعويضه، لم يعد استمرار احتجازه مجرد انتهاك سعودي، بل اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في حماية حرية التعبير ومناهضة الاحتجاز التعسفي.



