إصداراتتقارير

تسع سنوات في السجن والموت يلاحقه بسبب أفكاره: قضية حسن فرحان المالكي تفضح زيف الإصلاح السعودي

أكمل المفكر والباحث الإسلامي الدكتور حسن فرحان المالكي تسع سنوات كاملة خلف القضبان، منذ اعتقاله في 11 سبتمبر/أيلول 2017، على خلفية آرائه الدينية وكتاباته ومشاركاته الفكرية السلمية. ورغم مرور ما يقارب عقدًا على اعتقاله، لم يصدر بحقه حكم قضائي نهائي، بينما لا تزال النيابة العامة السعودية تطالب بإعدامه.

لا تتعلق قضية المالكي بارتكاب عمل عنيف أو التحريض عليه، بل بمفكر اختار مراجعة بعض الأفكار السائدة، وانتقاد الغلو والتكفير والطائفية، والدعوة إلى حرية الاعتقاد وفتح المجال أمام النقاش والاجتهاد. ومع ذلك، تعاملت السلطات السعودية مع آرائه بوصفها خطرًا أمنيًا، وأحالته إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي المحكمة المعنية أصلًا بقضايا الإرهاب.

تحوّلت الكتب والتغريدات والمقابلات التلفزيونية والنقاشات الفكرية في قضيته إلى أدلة اتهام، وأصبح الاختلاف الديني سببًا للمطالبة بإنهاء حياته. وبذلك لم تعد القضية مجرد انتهاك لحرية أحد المفكرين، بل نموذجًا واضحًا لكيفية استخدام القضاء وقوانين مكافحة الإرهاب لإسكات التفكير المستقل في السعودية.

مفكر عُرف بمواجهة التكفير والطائفية

عُرف حسن فرحان المالكي بوصفه باحثًا إصلاحيًا قدّم قراءات نقدية للتاريخ والتراث الإسلامي، وناقش عددًا من المرويات والشخصيات التاريخية بعيدًا عن القراءات التقليدية السائدة. كما انتقد التكفير والتعصب المذهبي والخطاب الديني الذي يبرر الكراهية والعنف.

لم تكن مواقف المالكي محل اتفاق عام، كما أثارت كتاباته جدلًا واسعًا داخل الأوساط الدينية والفكرية. لكن حرية الفكر لا تُختبر بحماية الآراء المقبولة أو الشائعة، وإنما بحماية حق أصحاب الآراء المختلفة والمثيرة للجدل في التعبير عنها من دون خوف من السجن أو الإعدام.

كان من المفترض أن تواجه أفكاره بأفكار أخرى، وأن تناقش كتبه داخل الجامعات والندوات ووسائل الإعلام. غير أن السلطات اختارت الرد عليه بالمداهمة والاعتقال والمحاكمة أمام محكمة الإرهاب.

اعتقال بلا أمر قضائي وحرمان من الدفاع

اعتقلت السلطات السعودية المالكي من منزله في 11 سبتمبر/أيلول 2017، ضمن الحملة الواسعة التي طالت عشرات الدعاة والأكاديميين والكتّاب والاقتصاديين وأصحاب الرأي.

جاء اعتقاله من دون إبراز أمر قضائي، ولم يُبلّغ في البداية بصورة واضحة بالتهم الموجهة إليه. كما حُرم من الحصول على المشورة القانونية ومن توكيل محامٍ يدافع عنه خلال مراحل أساسية من القضية.

وبحسب التقارير الحقوقية، اقتحمت قوات الأمن منزله وروّعت أسرته أثناء اعتقاله، ثم احتُجز في ظروف قاسية شملت العزل لفترات طويلة، وحرمانه من التواصل مع عائلته لعدة أشهر. كما لم يُسمح للمراقبين المستقلين بحضور جلسات محاكمته، ما حرم القضية من الحد الأدنى من الشفافية والرقابة العامة.

ولم يتوقف الاستهداف عند شخص المالكي؛ فقد اعتُقل نجله العباس بعد نشره تغريدات تتناول اعتقال والده وتؤكد تعرضه للظلم. ويكشف امتداد الملاحقة إلى أحد أفراد أسرته عن محاولة لإسكات العائلة ومنعها من نقل ما يتعرض له إلى الرأي العام.

وخلال سنوات احتجازه، توفي نجله فرحان، لكن السلطات حرمته من توديعه أو حضور جنازته. أضاف هذا الحرمان القاسي عقوبة إنسانية أخرى إلى سنوات السجن، وحوّل احتجازه إلى معاناة متواصلة لم تقتصر عليه، بل امتدت إلى أسرته بأكملها.

أربع عشرة تهمة جوهرها التفكير والتعبير

في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وبعد أكثر من عام على اعتقاله، وُجهت إلى المالكي لائحة تضم أربع عشرة تهمة. وقد راجعت هيومن رايتس ووتش اللائحة وخلصت إلى أن معظم ما ورد فيها لا يشبه الجرائم المتعارف عليها، وإنما يرتبط بتعبيره السلمي عن آرائه الدينية والفكرية.

تضمنت التهم مناقشة صحة بعض الأحاديث النبوية، وانتقاد عدد من الشخصيات التاريخية الإسلامية، وانتقاد مسؤولين دينيين ووصف بعض مواقفهم بالتطرف، واتهام دول خليجية بدعم تنظيم «داعش»، والإشادة بحسن نصر الله، والتعاطف مع جماعة الحوثي في اليمن.

كما شملت التعبير عن آرائه الدينية في مقابلات تلفزيونية، وحضور مجالس ونقاشات فكرية داخل السعودية، وتأليف كتب وأبحاث ونشرها خارج المملكة، وحيازة كتب محظورة، ونشر تغريدات، وانتهاك قانون الجرائم المعلوماتية، وما وصفته السلطات بعدم الالتزام بـ«المواطنة الصالحة».

واعتمد الادعاء في أدلته على تغريدات المالكي، والمواد التي صودرت من منزله وأجهزته الإلكترونية، وما نُسب إليه من اعترافات. ومن بين ما عُدّ دليلًا ضده دفاعه عن حرية الاعتقاد، ورفضه إجبار الناس على تبني اعتقادات محددة، وإنكاره وجود عقوبة شرعية للردة، وانتقاده من يحرّمون الموسيقى والغناء بصورة مطلقة.

تكشف هذه الاتهامات بوضوح أن المالكي لا يُحاكم على جريمة عنيفة، بل على آرائه وقراءاته الدينية. فقد تحولت دعوته إلى حرية الاعتقاد، ومناقشته للموروث الديني، وتأليفه الكتب، وحتى حيازته بعض المؤلفات، إلى ملف تستخدمه النيابة العامة للمطالبة بإعدامه.

عقوبة الموت في مواجهة الرأي

رغم الطبيعة الفكرية والسلمية للاتهامات، طالبت النيابة العامة بإنزال عقوبة الإعدام بحق المالكي. ويمثل هذا الطلب انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية التي تقصر استخدام عقوبة الإعدام، في الدول التي لم تلغها، على أخطر الجرائم التي تنطوي على القتل العمد.

لم تتهم السلطات المالكي بقتل أحد، أو التخطيط لاعتداء، أو الدعوة إلى العنف. ومع ذلك، يواجه احتمال فقدان حياته بسبب آرائه الدينية ومواقفه السياسية وتغريداته وكتبه.

كما تتناقض مطالب إعدامه مع الخطاب الذي يقدمه ولي العهد محمد بن سلمان عن محاربة التطرف والعودة بالسعودية إلى «إسلام معتدل». فبينما تنفق السلطات أموالًا ضخمة على الحملات الإعلامية لتقديم المملكة بوصفها دولة منفتحة ومتسامحة، تطالب نيابتها العامة بإعدام مفكر عُرف أصلًا بانتقاد التكفير والتطرف والطائفية.

لا يمكن لدولة أن تدّعي مواجهة التشدد بينما تهدد مفكرًا بالموت لأنه ناقش التراث وانتقد الغلو. ولا يمكن الحديث عن اعتدال حقيقي في ظل احتكار السلطة تعريف الدين المسموح به وتجريم كل قراءة تخرج عن حدوده.

محاكمة مؤجلة حتى فقدت معناها

لم يحصل المالكي على محاكمة سريعة أو عادلة. فقد تأجلت جلساته مرارًا، ووثقت تقارير حقوقية وصول عدد مرات التأجيل إلى ست عشرة مرة على الأقل بحلول مطلع عام 2023.

وفي إحدى المراحل، مر نحو عام ونصف من دون تمكينه من حضور جلسة تسمح له بالرد بصورة فعلية على التهم. كما عُقدت جلسات من دون إحضاره، وظل موعد النطق بالحكم يتنقل من تأجيل إلى آخر، فيما بقي طلب الإعدام قائمًا فوق رأسه.

وتفيد أحدث المعلومات الحقوقية المتاحة بأن محاكمته متوقفة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022. وهذا يعني أنه لا يواجه حكمًا نهائيًا يمكنه الطعن فيه، ولا يحصل على براءة تنهي سجنه، بل يبقى محتجزًا إلى أجل غير معلوم تحت تهديد الموت.

إن تكرار التأجيل ست عشرة مرة ليس مجرد خلل إداري أو بطء عابر في الإجراءات. بعد تسع سنوات من الاحتجاز، أصبح التأجيل نفسه جزءًا من العقوبة. فالسلطات تحرمه من حريته من دون إنهاء القضية، وتتركه وأسرته في انتظار مفتوح لا يعرفون نهايته.

حملة أعادت قضيته إلى الواجهة

في يوليو/تموز 2025، أطلق نجله أبو بكر حسن المالكي حملة إنسانية لإعادة تسليط الضوء على قضية والده، بعد سنوات من التعتيم وتراجع الاهتمام الإعلامي.

حظيت الحملة بدعم مفكرين وباحثين وإعلاميين ينتمون إلى اتجاهات فكرية ودينية مختلفة، وهو ما أكد أن التضامن مع المالكي لا يتطلب الاتفاق مع جميع آرائه. فالقضية تتعلق بحق الإنسان في التفكير والتعبير، ورفض استخدام الإعدام لحسم خلاف فكري.

إن الدفاع عن المالكي ليس دفاعًا عن مدرسة دينية بعينها، ولا تبنيًا لكل ما كتبه أو قاله، بل دفاع عن مبدأ بسيط: لا يجوز أن يتحول الاختلاف الفكري إلى جريمة، ولا أن تصبح المحكمة بديلًا عن النقاش، ولا أن تستخدم عقوبة الموت لإرهاب المفكرين وإجبار المجتمع على الصمت.

تسع سنوات تفضح حقيقة “الإصلاح”

تسع سنوات من احتجاز حسن فرحان المالكي تكفي لإسقاط الخطاب الرسمي الذي يفصل بين الانفتاح الاجتماعي والقمع السياسي والفكري.

قد تسمح السلطات بإقامة الحفلات ودور السينما والفعاليات الدولية، لكنها لا تستطيع وصف ذلك بالإصلاح الكامل بينما يبقى مفكر في السجن بسبب كتب وتغريدات ومقابلات. فالانفتاح لا يعني تغيير مظاهر الحياة وحدها، بل حماية حرية الإنسان في أن يفكر ويسأل ويناقش ويختلف.

قضية المالكي تكشف أن السلطات السعودية لا تواجه التطرف بإتاحة النقاش الحر، وإنما تستبدل احتكارًا دينيًا قديمًا باحتكار سياسي جديد يحدد الآراء المسموح بها ويعاقب من يتجاوزها.

لقد أمضى المالكي تسع سنوات بعيدًا عن أسرته وكتبه وحياته، من دون حكم نهائي، وتحت تهديد الإعدام. لم يسجن لأنه دعا إلى العنف، بل لأنه فكر وكتب وناقش آراء اعتبرتها السلطة غير مسموح بها.

يجب على السلطات السعودية إسقاط طلب الإعدام وجميع التهم المتعلقة بممارسة المالكي السلمية لحقوقه، والإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وتعويضه عن سنوات الاحتجاز التعسفي والانتهاكات التي تعرض لها، وفتح تحقيق مستقل في حرمانه من الدفاع والعزل المطول واستهداف أفراد أسرته.

كما يتعين على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومات التي تربطها علاقات سياسية واقتصادية وثيقة بالسعودية أن تضع قضيته على جدول اتصالاتها مع الرياض، وأن تطالب علنًا بإنهاء محاكمته الجائرة وإطلاق سراحه.

بعد تسع سنوات، لم يعد الصمت الدولي موقفًا محايدًا. إنه يمنح السلطات السعودية مساحة إضافية لمواصلة سجن مفكر وتهديده بالموت بسبب آرائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى