من أجل المال والصفقات… لندن تتخلى عن مواطن بريطاني معتقل ظلمًا في السعودية

تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” بأشد العبارات استمرار السلطات السعودية في احتجاز المواطن البريطاني أحمد الدوش والحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات على خلفية تغريدة نُشرت قبل ثماني سنوات وحُذفت لاحقًا، في واحدة من أكثر القضايا عبثية واستهدافًا لحرية التعبير.
كان أحمد الدوش، المواطن البريطاني المقيم في مانشستر وأب لأربعة أطفال، قد سافر إلى السعودية لقضاء إجازة عائلية في أغسطس/آب 2024، لكنه اعتُقل من مطار الرياض، ليجد نفسه في دوامة من الانتهاكات والظلم. حُكم عليه في مايو الماضي بالسجن عشر سنوات، خُفضت لاحقًا إلى ثماني سنوات، بسبب منشورات قديمة على منصة X (تويتر سابقًا) تحدث فيها عن قضايا سياسية في مصر والسودان وغزة.
لقد خضع الدوش لتحقيقات مطولة دون وجود محامٍ، وتعرض لفترة احتجاز في الحبس الانفرادي استمرت 33 يومًا، قبل أن يتم إبلاغه بالتهم الموجهة إليه بموجب قوانين الإرهاب السعودية، دون السماح لمحاميه أو عائلته بالاطلاع على أي مستندات قضائية أو قرار الحكم، ما يضع المحاكمة بأكملها خارج أي إطار قانوني أو حقوقي معترف به دوليًا.
وما يزيد من فداحة الانتهاكات، هو حرمانه من التواصل مع أسرته، ومراقبة اتصالاته بشدة، حيث تم تحذيره من الحديث عن قضيته أو أوضاع احتجازه أو حتى التحدث باللغة الإنجليزية مع عائلته، وإلا سيتم قطع الاتصال ومنعه من المكالمات لفترة زمنية.
زوجته، أماهير نور، التي عادت إلى المملكة المتحدة حُبلى بابنتهما الرابعة -والتي ولدت ووالدها في السجن- أكدت أن الأطفال لم يتأقلموا أبدًا مع غياب والدهم، وأنهم يعيشون حالة من الحزن اليومي، حيث تتكرر نوبات البكاء والحرمان، خاصة من الابنة التي لم يرها أحمد حتى اليوم.
لقد أعلنت الأسرة أن أحمد بات على وشك الدخول في إضراب عن الطعام بعد أن بلغ اليأس مداه، في ظل المعاملة السيئة وانعدام الأمل بأي تدخل فاعل من قبل السلطات البريطانية.
حكومة المملكة المتحدة… صمت مقابل المصالح
تُحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” الحكومة البريطانية مسؤولية مباشرة عن استمرار هذا الانتهاك الصارخ لحقوق أحد مواطنيها، في ظل تقاعس تام عن اتخاذ أي خطوات فعلية أو ممارسة ضغط علني أو دبلوماسي على السلطات السعودية.
رغم خطورة وضع أحمد الدوش ونداءات أسرته ومحاميه، امتنعت الحكومة البريطانية في بداية القضية عن الإفصاح عن أي معلومات تتعلق به، متذرعةً بما يسمى “قواعد حماية البيانات والخصوصية”، وهي ذريعة قانونية شكلية يُستخدم مثلها في العديد من الحالات لتجنب التدخل المباشر أو تحمل المسؤولية. ورغم أن الأسرة قدمت التفويض الكامل للحكومة للتدخل ومتابعة القضية، استمر هذا التعتيم الرسمي، ما يكشف عن تواطؤ غير معلن وتغليب للمصالح الدبلوماسية مع السعودية على حساب حقوق المواطن البريطاني. هذا السلوك يثير تساؤلات جادة حول التزام الحكومة البريطانية بحماية مواطنيها في الخارج، خاصة عندما يكون المعتقل ضحية لانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
إن تعامل وزارة الخارجية البريطانية مع القضية، واكتفائها بالتصريحات العامة غير المجدية، يعكس تواطؤًا فعليًا، ويؤكد أن المصالح الاقتصادية والسياسية والتجارية مع النظام السعودي باتت أولوية تتفوق على حماية حياة المواطنين البريطانيين.
تدعو “معًا من أجل العدالة” الجهات الدولية، ومؤسسات حقوق الإنسان، وأعضاء البرلمان البريطاني إلى التحرك الفوري والمطالبة بالإفراج غير المشروط عن أحمد الدوش، وفتح تحقيق مستقل في ملابسات اعتقاله، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات بحق مواطنين أبرياء.
إن استمرار الصمت البريطاني هو خيانة للقيم التي تدّعي الحكومة التمسك بها، وهو تواطؤ مباشر في مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم خلف أسوار السجون السعودية.



