تقارير

انتهاء العقوبة لا يعني نهاية الاحتجاز في السعودية.. قضية محمد البجادي نموذجًا

تجدد منظمة معًا من أجل العدالة تذكيرها بقضية المدافع عن حقوق الإنسان محمد صالح البجادي، بوصفها واحدة من أكثر القضايا دلالة على طبيعة المسار القضائي الذي يواجهه النشطاء في السعودية، حيث لم يعد الحكم نهاية للعقوبة، بل يمكن أن يكون مقدمة لجولة جديدة من الملاحقة.

قبل عدة أشهر، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا جديدًا بسجن البجادي خمسة وعشرين عامًا، رغم أن مدة محكوميته السابقة كانت قد انتهت فعليًا في عام 2023. وخلال العامين اللذين تليا انتهاء العقوبة، استمر احتجازه دون إعلان قانوني واضح يبرر استمرار حرمانه من حريته. وبدلاً من الإفراج عنه، تقرر إعادة محاكمته في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لتُصدر المحكمة لاحقًا حكمًا أشد قسوة يستند إلى تهم فضفاضة مرتبطة بنشاطه الحقوقي السلمي.

إعادة المحاكمة بعد انقضاء العقوبة تمثل تقويضًا مباشرًا لمبدأ استقرار الأحكام واليقين القانوني، وهو مبدأ أساسي في أي نظام قضائي يزعم احترامه لسيادة القانون. فبدلاً من أن يكون القضاء جهة تحسم النزاع وتغلق الملف، تحول إلى آلية تمديد للعقوبة، حيث يصبح الإفراج احتمالًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

قضية البجادي لا تنفصل عن تاريخه الطويل في الدفاع السلمي عن الحقوق. فهو أحد مؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية (حسم)، التي طالبت بالإصلاح السياسي، ومكافحة الفساد، واحترام الحقوق الأساسية. منذ اعتقاله الأول عام 2011، ثم إعادة اعتقاله في مايو/أيار 2018 بعد مداهمة منزله دون أمر قضائي، تعرض لسلسلة من الانتهاكات شملت الإخفاء القسري، وسوء المعاملة، والحرمان من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه.

الحكم الأخير لا يمكن فهمه باعتباره واقعة معزولة، بل يأتي ضمن نمط متكرر من توظيف المحكمة الجزائية المتخصصة وتشريعات مكافحة الإرهاب لتجريم النشاط الحقوقي السلمي. وقد عززت رسالة رسمية مشتركة صادرة عن أربعة مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة هذه القراءة، حيث أعربوا عن قلقهم من الاحتجاز التعسفي، وخرق ضمانات المحاكمة العادلة، وإعادة محاكمته على وقائع سبق النظر فيها، واستخدام نصوص قانونية واسعة وغامضة لمعاقبة التعبير السلمي.

إن الإشكالية في قضية البجادي لا تقتصر على قسوة الحكم، بل في دلالته الأوسع: إذا كان انتهاء العقوبة لا يؤدي إلى الإفراج، وإذا كانت إعادة المحاكمة أداة متاحة لتمديد السجن، فإن الضمانات القانونية تفقد معناها العملي. بذلك يتحول القضاء من سلطة للفصل والإنصاف إلى أداة لإدامة العقوبة وترسيخ الردع السياسي.

تؤكد معًا من أجل العدالة أن استمرار احتجاز محمد البجادي والحكم عليه مجددًا يشكلان انتهاكًا جسيمًا للمعايير الدولية، ويعكسان تصعيدًا خطيرًا في استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان. وتطالب المنظمة بإلغاء الحكم الصادر بحقه، والإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وضمان احترام مبدأ عدم محاكمة الشخص مرتين على الوقائع ذاتها، ووقف استخدام القضاء كوسيلة للانتقام من النشاط الحقوقي السلمي.

قضية البجادي اليوم ليست فقط قضية فرد، بل اختبار حقيقي لمدى وجود حد فاصل بين العقوبة القانونية والانتقام السياسي في المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى