
تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” استمرار احتجاز الناشطة السعودية مريم آل قيصوم، المعتقلة منذ فبراير/شباط 2019 على خلفية نشاطها الحقوقي ومشاركتها في فعاليات ذات طابع سياسي واجتماعي دعت من خلالها إلى تعزيز الحريات العامة وتوسيع المشاركة المجتمعية.
بعد أكثر من سبع سنوات على اعتقالها، لا تزال قضية مريم آل قيصوم واحدة من القضايا التي تكشف بوضوح طبيعة تعامل السلطات السعودية مع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، حيث تتحول الأنشطة السلمية والمطالب الإصلاحية إلى مبرر للاعتقال والمحاكمة وإصدار أحكام قاسية تمتد لعقود.
اعتُقلت آل قيصوم بسبب نشاط لا يتضمن عنفًا أو تحريضًا أو أي فعل جنائي معترف به، بل بسبب مشاركتها في مساحات سلمية مرتبطة بالشأن العام والحقوق والحريات. ومع ذلك، تعاملت السلطات مع هذا النشاط باعتباره تهديدًا أمنيًا، في استمرار لنمط متكرر داخل السعودية يقوم على تجريم التعبير السلمي وتحويل العمل الحقوقي إلى تهمة.
وخلال السنوات الأولى من احتجازها، ظلت مريم آل قيصوم رهن الحبس التعسفي دون صدور حكم نهائي، وسط غياب الشفافية بشأن طبيعة التهم الموجهة إليها، ودون ضمانات كافية لمحاكمة عادلة وعلنية. كما تشير المعلومات المتاحة إلى أنها تعرضت للإخفاء لفترة بعد اعتقالها، قبل عرضها لاحقًا على القضاء.
وفي مرحلة لاحقة، صدر بحقها حكم قاسٍ بالسجن لمدة 25 عامًا، يعقبه منع من السفر لمدة مماثلة، في واحدة من أطول الأحكام التي طالت ناشطة سعودية على خلفية نشاط سلمي. ولا يعكس هذا الحكم خطورة فعل جنائي، بل يعكس رغبة سياسية في معاقبة الصوت المستقل وردع النساء عن المشاركة في المجال العام.
إن الإجراءات القضائية في قضية مريم آل قيصوم تثير مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء في السعودية. فبحسب المعلومات المتداولة، لم تُمنح فرصة كافية للدفاع عن نفسها، ولم يتم التعامل مع دفوعها بجدية، كما لم يُفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي تعرضت لها أثناء الاحتجاز. وهذا يعكس نمطًا مألوفًا في قضايا الرأي، حيث تتحول المحاكمة إلى إجراء شكلي يمنح غطاءً قانونيًا لقرار سياسي مُسبق.
وتقبع آل قيصوم في سجن المباحث بالدمام، وهو أحد المراكز المرتبطة باحتجاز معتقلي الرأي. وتثير ظروف الاحتجاز في مثل هذه المرافق مخاوف متكررة بشأن سوء المعاملة، والإهمال الطبي، والحرمان من الحقوق الأساسية، وهو ما يزيد من خطورة استمرار احتجازها في ظل الحكم القاسي الصادر بحقها.
ولا يمكن فصل قضية مريم آل قيصوم عن السياق الأوسع لاستهداف النساء الناشطات في السعودية. فخلال السنوات الأخيرة، صدرت أحكام طويلة بحق عدد من المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات، في مؤشر واضح على أن خطاب “تمكين المرأة” الرسمي لا ينعكس على واقع النساء اللواتي يطالبن بحقوقهن أو يشاركن في الشأن العام باستقلالية.
وتكشف هذه القضية عن تناقض صارخ بين الصورة التي تحاول السلطات السعودية تصديرها إلى الخارج حول الإصلاح والانفتاح، وبين الواقع الداخلي الذي تواجه فيه الناشطات أحكامًا مشددة بسبب التعبير السلمي والعمل الحقوقي. فالدولة التي تتحدث عن تمكين المرأة لا يمكن أن تبرر سجن ناشطة لسنوات طويلة لأنها دعت إلى الحريات والمشاركة المجتمعية.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استمرار احتجاز مريم آل قيصوم يمثل انتهاكًا واضحًا لحقها في الحرية والأمان الشخصي، وحقها في حرية الرأي والتعبير، وحقها في محاكمة عادلة، وحقها في عدم التعرض للإخفاء أو سوء المعاملة أو الحرمان من الرعاية الأساسية.
وتحمّل المنظمة السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة مريم آل قيصوم الجسدية والنفسية، وتطالب بالكشف الكامل عن ظروف احتجازها، وتمكينها من التواصل المنتظم مع أسرتها ومحاميها، وضمان حصولها على الرعاية الطبية والحقوق الأساسية داخل السجن.
كما تطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن مريم آل قيصوم، وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقها، ورفع منع السفر، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي تعرضت لها منذ اعتقالها، ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتدعو المنظمة المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة وآلياتها الخاصة، إلى متابعة قضيتها بجدية، والضغط على السلطات السعودية لإنهاء الاعتقالات التعسفية، ووقف استهداف المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وضمان احترام حرية التعبير والعمل الحقوقي السلمي.
إن قضية مريم آل قيصوم ليست مجرد قضية ناشطة خلف القضبان، بل شهادة على واقع تُجرَّم فيه المطالب الإصلاحية، وتُعاقَب فيه النساء على المشاركة في الشأن العام، ويُستخدم القضاء لإسكات الأصوات المستقلة بدل حمايتها.



