عمر المقبل… أستاذ شريعة ما زال محتجزًا رغم انتهاء محكوميته بسبب رأيه في سياسات الترفيه

تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” استمرار احتجاز الدكتور عمر بن عبد العزيز المقبل، أستاذ الشريعة في جامعة القصيم، رغم انتهاء محكوميته، في قضية تكشف بوضوح كيف تستخدم السلطات السعودية القضاء والأجهزة الأمنية لمعاقبة الرأي السلمي، حتى بعد استنفاد الحكم الصادر بحق المعتقل.
اعتُقل الدكتور عمر المقبل في سبتمبر/أيلول 2019 على خلفية مقطع عبّر فيه عن رأيه في سياسات هيئة الترفيه، منتقدًا ما اعتبره مساسًا بهوية المجتمع وقيمه. وقد نقلت تقارير حقوقية وإعلامية وقتها أن اعتقاله جاء بعد انتقاده لفعاليات هيئة الترفيه، في سياق أوسع من التضييق على الدعاة والأكاديميين وأصحاب الرأي في السعودية.
لم يتضمن موقف المقبل دعوة إلى العنف أو تحريضًا أو فعلًا جنائيًا. كان تعليقًا اجتماعيًا محافظًا عبّر فيه عن رفضه لما وصفه بـ“سلخ المجتمع من هويته” و“اغتيال المروءة”. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الرأي، فإن التعبير السلمي عن موقف ديني أو اجتماعي لا يجوز أن يتحول إلى سبب للاعتقال أو المحاكمة أو استمرار الحرمان من الحرية.
بحسب المعلومات الحقوقية المتداولة، حُكم على المقبل في البداية بالسجن ستة أشهر، قبل أن يُزاد الحكم لاحقًا إلى أربع سنوات. وتشير منظمة سند الحقوقية إلى أن محكوميته انتهت في مارس/آذار 2024، ومع ذلك استمر احتجازه، كما تؤكد بيانات حديثة أنه دخل عامه السابع داخل السجون السعودية رغم انقضاء مدة الحكم. كما تدرجه لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية ضمن غير المفرج عنهم.
إن احتجاز شخص بعد انتهاء محكوميته يمثل انتهاكًا قانونيًا بالغ الخطورة. فحتى وفق منطق الحكم الجائر نفسه، لا يوجد أي سند لاستمرار سلب الحرية بعد اكتمال مدة العقوبة. استمرار احتجاز المقبل لا يطرح فقط سؤالًا عن عدالة الحكم الأصلي، بل يكشف خللًا أعمق: أن الحرية في القضايا السياسية والدينية داخل السعودية لا ترتبط بحكم قضائي محدد، بل بقرار أمني مفتوح.
وتزداد المفارقة وضوحًا في ظل الخطاب الرسمي السعودي حول “الانفتاح” والتغيير الاجتماعي. ففي السنوات الأخيرة، وسّعت المملكة مشاريع الترفيه وأنماط الحياة الجديدة، كما أفادت تقارير صحفية في ديسمبر/كانون الأول 2025 بأن السلطات وسّعت بهدوء نطاق السماح بشراء الكحول لفئات محددة من المقيمين غير المسلمين ذوي الدخل المرتفع، بعد أن كان المتجر المخصص في الرياض يخدم الدبلوماسيين وغيرهم ضمن نطاق محدود. كما ذكرت رويترز في مايو/أيار 2026 أن المتجر افتتح أصلًا في 2024 لخدمة الدبلوماسيين غير المسلمين، ثم توسع لاحقًا ليشمل مقيمين أجانب أثرياء من غير المسلمين.
ليست المسألة هنا نقاشًا دينيًا حول هذه السياسات، بل سؤال حقوقي مباشر: كيف تسمح الدولة باتجاهات اجتماعية جديدة وحساسة، ثم تسجن من يعلّق عليها أو ينتقدها سلميًا؟ وكيف يمكن الحديث عن الانفتاح بينما يُحرم أستاذ جامعي من حريته لأنه عبّر عن رأي محافظ في قضية عامة؟
إن حرية الرأي لا تعني السماح فقط بالأصوات المؤيدة للسلطة أو المتماهية مع خياراتها الاجتماعية. الحرية الحقيقية تعني أن يتمكن المواطن، سواء كان ليبراليًا أو محافظًا أو إصلاحيًا أو ناقدًا، من التعبير عن موقفه دون خوف من الاعتقال. أما أن يُفتح المجال لاتجاه واحد، ويُعاقب الاتجاه الآخر بالصمت والسجن، فهذا لا يمثل انفتاحًا، بل إدارة انتقائية للمجال العام.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن استمرار احتجاز الدكتور عمر المقبل بعد انتهاء محكوميته يمثل احتجازًا تعسفيًا واضحًا، وانتهاكًا للحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في حرية الرأي والتعبير. كما أنه ينسف أي ادعاء بوجود إجراءات قضائية مستقلة، لأن تنفيذ الحكم وانتهاءه يفترض أن يكونا مسألة قانونية لا تخضع للمزاج السياسي أو الأمني.
وتحمّل المنظمة السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة الدكتور المقبل الجسدية والنفسية، وتطالب بالكشف الفوري عن وضعه القانوني الحالي وأسباب استمرار احتجازه، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل المنتظم معه، وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة.
كما تطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الدكتور عمر المقبل، وتعويضه عن فترة احتجازه بعد انتهاء محكوميته، ووقف استخدام القضاء والأجهزة الأمنية لمعاقبة الآراء السلمية، سواء تعلقت بالسياسة أو الدين أو الهوية أو التحولات الاجتماعية.
إن قضية عمر المقبل تكشف جوهر الأزمة: ليست المشكلة فقط في اعتقاله بسبب رأي، بل في استمرار احتجازه بعد انتهاء الحكم. حين تبقى أبواب السجن مغلقة بعد انقضاء المحكومية، لا يعود الأمر تنفيذًا للقانون، بل انتقامًا سياسيًا صريحًا. وعودة الدكتور المقبل إلى أسرته وطلابه لم تعد مجرد مطلب حقوقي، بل استحقاق قانوني تأخر كثيرًا.



