
تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” استمرار احتجاز الدكتور محمد موسى الشريف، الداعية والأكاديمي والطيار السعودي، المعتقل منذ سبتمبر/أيلول 2017 ضمن حملة واسعة شنتها السلطات السعودية ضد العلماء والدعاة والمفكرين وأصحاب الرأي المستقل.
بعد ما يقارب تسع سنوات من اعتقاله، لا تزال قضية الشريف تمثل نموذجًا واضحًا لاستخدام القضاء السعودي كأداة سياسية لمعاقبة الرأي المستقل، وتجريم النشاط الدعوي والفكري والعمل الإنساني، بدل أن يكون القضاء وسيلة لحماية الحقوق وضمان العدالة.
اعتُقل الدكتور محمد موسى الشريف في سياق حملة سبتمبر 2017 التي طالت مئات الشخصيات الدينية والفكرية والإعلامية والحقوقية، وهي الحملة التي كشفت حجم التضييق على أي صوت لا يتحرك داخل الحدود التي ترسمها السلطة. ولم يكن الشريف معروفًا بممارسة العنف أو التحريض، بل عُرف بمكانته العلمية والدعوية، وبمؤلفاته في الفكر الإسلامي والتاريخ والسيرة، وبمشاركته في أعمال خيرية وإغاثية داخل السعودية وخارجها.
ورغم ذلك، أُحيل إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي المحكمة التي استخدمتها السلطات السعودية على نطاق واسع لمحاكمة معتقلي الرأي تحت غطاء قضايا أمنية. وبعد محاكمة سرية افتقرت إلى الشفافية وضمانات العدالة، صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات، قبل أن تقوم محكمة الاستئناف في يناير/كانون الثاني 2023 بتغليظ الحكم تعسفيًا إلى 13 عامًا، دون مبررات قانونية واضحة.
إن تغليظ الحكم من خمس سنوات إلى ثلاثة عشر عامًا يكشف طبيعة الانتقام القضائي في السعودية. فبدل أن تتم مراجعة الانتهاكات التي شابت المحاكمة، جرى تشديد العقوبة بصورة قاسية، بما يؤكد أن القضية لا تتعلق بعدالة مستقلة، بل بإرادة سياسية لمعاقبة شخصية دينية وفكرية مستقلة وإرسال رسالة ترهيب إلى غيره من العلماء والدعاة.
وبحسب المعلومات المتوفرة، وُجهت إلى الدكتور الشريف أكثر من عشرين تهمة، من بينها اتهامات فضفاضة مثل “زعزعة أمن المملكة” و”المشاركة في أنشطة إغاثية داخل وخارج البلاد”. وهذه الصياغات تكشف كيف تستخدم السلطات السعودية لغة الأمن والإرهاب لتجريم أعمال سلمية، من بينها العمل الخيري والإغاثي والتعبير عن الرأي.
إن اعتبار النشاط الإغاثي تهمة، أو التعامل مع العمل الدعوي والفكري باعتباره خطرًا أمنيًا، يمثل انحرافًا خطيرًا في وظيفة القانون. فالقانون في هذه الحالة لا يُستخدم لحماية المجتمع، بل لحماية السلطة من أي نشاط مستقل، حتى لو كان نشاطًا دينيًا أو أكاديميًا أو إنسانيًا.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن محاكمة الدكتور محمد موسى الشريف افتقرت إلى أبسط معايير العدالة، بما في ذلك العلنية، والحق في الدفاع، والحق في التواصل المنتظم مع المحامي والأسرة، والحق في معرفة التهم بوضوح والرد عليها أمام قضاء مستقل. كما أن استمرار احتجازه وسط تقارير عن تدهور وضعه الصحي وحرمانه من الرعاية الطبية اللازمة يضاعف خطورة الانتهاكات الواقعة بحقه.
إن قضية الشريف لا تنفصل عن نمط أوسع من استهداف العلماء والدعاة في السعودية منذ عام 2017. فقد استخدمت السلطات الاعتقال، والمحاكمات السرية، وتغليظ الأحكام، والتعتيم الإعلامي، والإهمال الطبي، لإسكات شخصيات كان حضورها الفكري والاجتماعي مستقلًا عن الخط الرسمي. وبذلك تحوّل القضاء من مؤسسة يفترض أن تحمي الحقوق إلى أداة لإضفاء مظهر قانوني على القمع السياسي.
وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة الدكتور محمد موسى الشريف الجسدية والنفسية، وتؤكد أن استمرار حرمانه من حقوقه القانونية والطبية يمثل انتهاكًا جسيمًا لحقه في الحرية والأمان الشخصي، وحقه في المحاكمة العادلة، وحقه في المعاملة الإنسانية داخل السجن.
وتطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الدكتور محمد موسى الشريف، وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقه، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بآرائه أو نشاطه الدعوي أو الأكاديمي أو الإغاثي.
كما تطالب المنظمة بتمكينه فورًا من الرعاية الطبية المناسبة، والسماح له بالتواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه، وفتح تحقيق مستقل في ظروف اعتقاله ومحاكمته وتغليظ الحكم الصادر بحقه.
إن استمرار سجن الدكتور محمد موسى الشريف يفضح تناقض الخطاب الرسمي السعودي حول الإصلاح والانفتاح. فالدولة التي تزعم التحديث لا يمكن أن تسجن داعية وأكاديميًا وطيارًا بسبب آرائه وأعماله الإغاثية، ثم تقدم ذلك للعالم باعتباره تطبيقًا للقانون.
قضية محمد موسى الشريف ليست قضية فردية فقط، بل شاهد جديد على أزمة عميقة في القضاء السعودي المسيس، حيث تتحول المحكمة إلى أداة للعقاب، والعمل الإنساني إلى تهمة، والرأي المستقل إلى جريمة تستوجب سنوات طويلة خلف القضبان.



