صفقة طائرات إف 35- واشنطن تمهّد الطريق لابن سلمان وتطوي ملف خاشقجي نهائيًا

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المضي في بيع مقاتلات F-35 للسعودية، بعد ساعات من خروجه من اجتماع مغلق مع ولي العهد محمد بن سلمان في البيت الأبيض، موجة واسعة من التحذيرات داخل الكونغرس وبين المنظمات الحقوقية الأمريكية والدولية. فالخطوة لم تُقدَّم بوصفها صفقة سلاح اعتيادية، بل باعتبارها اتفاقًا يتم تمريره بلا أي اشتراطات أو ضوابط سياسية أو حقوقية، وفي ظل سجل سعودي ثقيل بالاعتقالات، والأحكام القاسية، وتقييد الحريات العامة، وقضية اغتيال جمال خاشقجي التي لم تُحسَم مسؤوليتها السياسية حتى اليوم.
اللقاء الذي جمع الطرفين حمل دلالات تتجاوز مجرد التعاون الأمني. فقد بدا بوضوح أن الإدارة الأمريكية تحاول إعادة تأهيل ولي العهد سياسيًا، وإعادة إدماجه في الواجهة الدولية كمحور أساسي في مشاريع النفوذ الأمريكي في المنطقة، في وقت تختفي فيه أي إشارة إلى الملف الحقوقي أو إلى دور الأجهزة السعودية في مقتل خاشقجي. وحين سُئل ترامب عن الجريمة، اختار التقليل من شأنها، واصفًا ما حدث بأنه “أمور تحدث”، ومُقدّمًا تبريرًا علنيًا يُسقط أي التزام أمريكي سابق بضرورة المحاسبة أو كشف الحقائق.
هذا المشهد لم يمر بهدوء داخل واشنطن. فقد اعتبرت النائبة إلهان عمر أن الحدث يمثل انحدارًا جديدًا في العلاقة الأمريكية مع “نظام قمعي”، مؤكدة أن ترامب تجاهل عمدًا أدلة الاستخبارات الأمريكية بشأن مسؤولية محمد بن سلمان عن مقتل خاشقجي. وردّ فعلها لم يأتِ من فراغ، فصفقات الأسلحة السابقة وُظِّفت في اليمن بشكل خلّف كارثة إنسانية واسعة، دون أي محاسبة أو مراجعة. ومع الإعلان عن صفقة F-35 الجديدة، عادت المخاوف نفسها إلى الواجهة، خاصة في ظل تصميم الإدارة على تمرير الاتفاق دون شروط أو قيود.
التوتر خلال المؤتمر الصحفي المرافق للاجتماع كشف مزيدًا من ملامح الاتجاه الجديد. فحين حاولت مراسلة ABC توجيه سؤال حول تقييم الاستخبارات الأمريكية لدور ابن سلمان في جريمة خاشقجي، تدخل ترامب بغضب وهاجم الشبكة بوصفها “أخبارًا مزيفة”، بل لوّح بإمكانية سحب رخصة بثها. كان الهجوم واضحًا في رسالته: أي مساءلة إعلامية لولي العهد غير مقبولة، وأي محاولة لطرح الأسئلة الجوهرية تُواجَه بالتهديد. ومع هذا المشهد، بدا أن الإدارة الأمريكية لا تكتفي بإعادة تأهيل ابن سلمان خارجيًا، بل تسعى كذلك إلى خلق بيئة ردع داخلية تمنع الصحافة من الاقتراب من الملفات الحساسة المرتبطة بالعلاقة مع السعودية.
من جهتها، اعتبرت منظمة DAWN — التي أسسها خاشقجي — أن ما يحدث هو محاولة لحماية “حاكم متهور” خدمةً لمصالح مالية وسياسية مشتركة، مؤكدة أن المستفيد الأول من الصفقة لن يكون الشعب الأمريكي، بل شركات السلاح والمقربين من مراكز القوة في واشنطن والرياض. وتُحمّل المنظمة الإدارة مسؤولية تحويل التعاون العسكري إلى غطاء يمنح النظام السعودي مساحة أوسع لممارسة القمع دون خشية من أي تبعات.
في هذه الأجواء، يستعد الكونغرس لمعركة تشريعية حاسمة؛ فبمجرد تلقي الإخطار الرسمي بالصفقة، يمتلك أعضاء الكونغرس فترة زمنية قصيرة لتمرير قرار قد يعرقل الاتفاق أو يفرض قيودًا عليه. ويعتبر كثير من النواب أن الموافقة على بيع طائرات F-35 دون شروط يُضعف دور الكونغرس في مراقبة السياسة الخارجية، ويمنح البيت الأبيض صلاحيات واسعة لتحديد علاقات الولايات المتحدة مع حكومات متهمة بانتهاكات جسيمة.
التطورات الأخيرة تكشف طبيعة المرحلة التي تدخلها العلاقة الأمريكية-السعودية: علاقة تُبنى على التحالفات العسكرية والمصالح الاقتصادية، فيما تُستبعد منها ملفات الصحافة وحقوق الإنسان والجرائم التي لم تُحاسب. وإعادة تشكيل هذه العلاقة بطريقة تتجاهل مقتل خاشقجي، وتهمّش الأصوات المعارضة، وتُضعف الصحافة، وتمنح النظام السعودي أسلحة متقدمة دون قيود — كل ذلك يشير إلى تحالف يُعاد إنتاجه بمنطق القوة لا بمنطق القيم التي تعلنها واشنطن نظريًا.
إن تمرير صفقة بهذا الحجم دون شروط لا يُعدّ موقفًا محايدًا، بل اختيارًا سياسيًا واضحًا تُبرزه المنظمة بصفته خطوة تُغلق الباب أمام العدالة وتفتح الباب أمام مزيد من النفوذ السعودي غير الخاضع للمساءلة، سواء داخل المملكة أو في ملفات المنطقة الأوسع.



