تقارير

ست سنوات على اعتقال عبد الناصر الحويطي بسبب رفض تهجير أهالي نيوم

مع اقتراب 18 أكتوبر/تشرين الأول، تحل الذكرى السنوية السادسة لاعتقال المواطن السعودي عبد الناصر أحمد محمود أبو طقيقة الحويطي، الذي يقضي حكمًا بالسجن لمدة 27 عامًا على خلفية اعتراضه السلمي على تهجير أبناء قبيلة الحويطات من أراضيهم لإفساح المجال أمام مشروع «نيوم».

منذ اعتقاله عام 2020، تعرّض الحويطي لسلسلة من الانتهاكات الخطيرة، بدأت بالاحتجاز التعسفي، مرورًا بالحبس الانفرادي والتعذيب والإكراه على الاعتراف، وانتهت بمحاكمة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة أصدرت بحقه حكمًا قاسيًا يستهدف معاقبته على الدفاع عن أرضه وحق مجتمعه في السكن والملكية.

من هو عبد الناصر الحويطي؟

عبد الناصر الحويطي مواطن سعودي من مواليد عام 1971 ومن أبناء قبيلة الحويطات، التي تعيش منذ قرون في القرى والمناطق الواقعة شمال غربي السعودية، ومن بينها الخريبة وشرما وقيال، وهي مناطق أُدرجت ضمن المساحة المخصصة لإنشاء مشروع «نيوم».

برز اسم الحويطي خلال احتجاج أبناء القبيلة على إجراءات نزع الملكية والإخلاء. ووفق تقرير موسع أصدرته منظمة القسط، استضاف عبد الناصر في منزله، في 9 يناير/كانون الثاني 2020، اجتماعًا وقّع خلاله 174 شخصًا من أبناء الحويطات عريضة تعترض على قرار تهجيرهم من أراضيهم. ولم تكن مطالبهم رفضًا للتنمية في حد ذاتها، بل تمحورت حول حقهم في التشاور، والحصول على تعويض عادل، وعدم اقتلاعهم قسرًا من منازلهم ومجتمعهم.

نيوم والأرض التي لم تكن خالية

أطلقت السلطات السعودية مشروع «نيوم» عام 2017 بوصفه أحد أبرز مشروعات «رؤية 2030». ويمتد المشروع، وفق الخطط المعلنة، على مساحة تقدر بنحو 26,500 كيلومتر مربع على ساحل البحر الأحمر في منطقة تبوك.

لكن الصورة الرسمية التي قدمت المنطقة باعتبارها أرضًا شبه خالية تجاهلت وجود مجتمعات محلية عاشت فيها لأجيال. وأكدت تحقيقات حقوقية أن المنطقة كانت موطنًا لنحو 20 ألف شخص، غالبيتهم من قبيلة الحويطات، وأن تنفيذ المشروع صاحبه نزع للملكيات وهدم للمنازل وتهجير للسكان من دون تشاور حقيقي أو ضمان سكن بديل وتعويض عادل في جميع الحالات.

وبدلًا من فتح حوار مع الأهالي، واجهت السلطات المعترضين بحملة أمنية واسعة. ووثقت منظمة القسط اعتقال ما لا يقل عن 47 شخصًا من أبناء القبيلة بسبب حديثهم عن الإخلاء القسري أو مقاومتهم السلمية له، كما وثقت أحكامًا تراوحت بين السجن لمدد طويلة وعقوبة الإعدام.

بلغ القمع ذروته في أبريل/نيسان 2020، عندما قُتل عبد الرحيم الحويطي خلال مداهمة أمنية لمنزله في قرية الخريبة، بعدما نشر مقاطع مصورة أعلن فيها رفضه مغادرة منزله وانتقد عمليات الإخلاء. وأثارت الواقعة مخاوف دولية بشأن استخدام القوة المميتة ضد سكان يعترضون على انتزاع أراضيهم.

اعتقاله في الطريق إلى المستشفى

في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2020، اعتقلت عناصر من المديرية العامة للمباحث وقوات الطوارئ الخاصة عبد الناصر الحويطي أثناء توجهه إلى مستشفى ضباء.

نُقل عقب اعتقاله إلى سجن المباحث في تبوك، حيث بقي قرابة شهر، ثم نُقل إلى سجن ذهبان في جدة الخاضع لرئاسة أمن الدولة. ووفق المعلومات التي تلقاها خبراء الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، وُضع في الحبس الانفرادي مدة أربعة أشهر وتعرض لتعذيب نفسي وجسدي بهدف إجباره على الاعتراف بالتهم الموجهة إليه.

وتضمنت التهم الموجهة إليه «تحريض الرأي العام ضد ولي العهد» وارتكاب «جريمة إرهابية». لكن الخبراء الأمميين أشاروا إلى مزاعم جدية بأن تهم الإرهاب الموجهة إلى الحويطي وآخرين من أبناء قبيلته لا تقوم على أساس واقعي، وأن هؤلاء عوقبوا في الحقيقة بسبب اعتراضهم، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على تهجير الحويطات من منازلهم.

إن استخدام تهم الإرهاب ضد أشخاص يطالبون بحقوقهم في السكن والملكية لا يحوّل نشاطهم السلمي إلى جريمة؛ بل يكشف كيفية توظيف التشريعات الأمنية الفضفاضة لإسكات المتضررين ومنعهم من الاعتراض على المشروعات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.

محاكمة متأخرة وحكم بالسجن 27 عامًا

لم يمثل عبد الناصر الحويطي أمام المحكمة الجزائية المتخصصة إلا بعد فترة طويلة من احتجازه. وتشير المعلومات الموثقة في مراسلة خبراء الأمم المتحدة إلى أن جلسته الأولى عُقدت في يوليو/تموز 2022، ثم تلتها أربع جلسات أخرى، قبل أن تصدر المحكمة حكمًا بسجنه 27 عامًا.

لا يمكن فصل الحكم عن ظروف احتجازه السابقة للمحاكمة، ولا سيما الادعاءات المتعلقة بتعذيبه وإجباره على الاعتراف. فأي أقوال تُنتزع تحت التعذيب يجب استبعادها بالكامل، كما يقع على السلطات واجب إجراء تحقيق مستقل ونزيه في هذه الادعاءات ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما تثير محاكمته أمام المحكمة الجزائية المتخصصة مخاوف إضافية. فقد أنشئت هذه المحكمة أساسًا للنظر في قضايا الإرهاب، لكنها أصبحت أداة متكررة لمحاكمة المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء وأصحاب الرأي، اعتمادًا على اتهامات واسعة مثل الإضرار بالوحدة الوطنية أو زعزعة الاستقرار أو التأثير في الرأي العام.

ولا يتناسب الحكم الصادر بحق الحويطي بأي حال مع طبيعة نشاطه المعلن. فالسجن 27 عامًا بسبب الاعتراض على الإخلاء القسري يمثل عقوبة انتقامية تهدف إلى ردع بقية السكان عن المطالبة بحقوقهم.

أسرة كاملة دفعت الثمن

لم يقتصر القمع على عبد الناصر وحده. فقد اعتقلت السلطات ابنه أحمد عبد الناصر الحويطي في أكتوبر/تشرين الأول 2020، وكان آنذاك طالبًا جامعيًا في التاسعة عشرة من عمره. وواجه اتهامات مرتبطة بمنشورات على «تويتر» والتعاطف مع عمه عبد الرحيم الحويطي، الذي قتلته القوات الأمنية.

وبحسب منظمة القسط، حُكم على أحمد في البداية بالسجن خمس سنوات، قبل رفع العقوبة استئنافيًا إلى 21 عامًا. كما صدرت بحق عدد من أقارب الأسرة وأبناء القبيلة أحكام أخرى شديدة القسوة. ويكشف ذلك أن ما جرى لم يكن ملاحقة فردية، بل حملة أوسع لمعاقبة مجتمع محلي على رفضه التخلي عن أرضه في صمت.

خبراء الأمم المتحدة يتدخلون

في عام 2023، وجّه عدد من خبراء الأمم المتحدة، من بينهم خبراء معنيون بالسكن اللائق والاحتجاز التعسفي والتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء وحرية التعبير وحقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، مراسلات إلى الحكومة السعودية وشركة «نيوم» وصندوق الاستثمارات العامة.

أعرب الخبراء عن قلقهم إزاء أحكام الإعدام والسجن الطويلة الصادرة بحق أبناء الحويطات، وطلبوا توضيحات بشأن التهجير والتعذيب والمحاكمات واستخدام تهم الإرهاب ضد المعترضين على المشروع. كما أشاروا إلى أن «نيوم» نُفذ، وفق المعلومات التي تلقوها، من دون تشاور حقيقي أو موافقة حرة ومسبقة ومستنيرة، ومن دون إتاحة سبل انتصاف فعالة للسكان المتضررين.

لا تنمية فوق أنقاض الحقوق

تكشف قضية عبد الناصر الحويطي الوجه الآخر لمشروع يُسوّق دوليًا باعتباره رمزًا للحداثة والاستدامة والمستقبل. فلا يمكن وصف مشروع بأنه نموذج للتقدم بينما تُهدم المنازل لإقامته، ويُهجّر السكان، ويُسجن المعترضون لعقود، ويواجه بعضهم أحكامًا بالإعدام.

التنمية لا تمنح الدولة حق اقتلاع الناس من أراضيهم بلا تشاور أو تعويض عادل أو سكن بديل مناسب. كما لا تبرر تحويل المطالبة بالحق في المنزل والملكية إلى جريمة إرهابية.

وتثير القضية كذلك مسؤولية الشركات والمستثمرين والاستشاريين والمؤسسات الدولية المرتبطة بالمشروع. فالمشاركة في «نيوم» من دون فحص جاد للانتهاكات المرتبطة به قد تجعل هذه الأطراف مساهمة في مشروع قام، في جزء من تنفيذه، على التهجير والقمع.

تدعو معًا من أجل العدالة السلطات السعودية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن عبد الناصر الحويطي وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقه، باعتبار أن احتجازه ومحاكمته ارتبطا بممارسته السلمية لحقوقه ودفاعه عن أرضه ومجتمعه.

 

كما تطالب بـ:

  • فتح تحقيق مستقل وشفاف في مزاعم تعذيبه وحبسه الانفرادي وإكراهه على الاعتراف، ومحاسبة جميع المسؤولين عنها.
  • استبعاد أي اعترافات أو أدلة انتُزعت تحت التعذيب وضمان حصوله على الرعاية الطبية والتواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه.
  • الإفراج عن جميع أبناء قبيلة الحويطات المحتجزين بسبب اعتراضهم السلمي على التهجير، وإلغاء أحكام الإعدام والسجن القاسية الصادرة بحقهم.
  • وقف استخدام نظام مكافحة الإرهاب والمحكمة الجزائية المتخصصة لمعاقبة المدافعين عن حقوق الأرض والسكن وحرية التعبير.
  • ضمان حق السكان المتضررين في التشاور الحقيقي والاعتراض القضائي والتعويض العادل والسكن البديل المناسب، وإعادة الحقوق إلى أصحابها متى كان ذلك ممكنًا.
  • مطالبة الشركات والمستثمرين المرتبطين بمشروع «نيوم» بإجراء مراجعة مستقلة وشاملة لأثر مشاركتهم على حقوق الإنسان، وتعليق أي نشاط قد يساهم في استمرار الانتهاكات.

بعد ست سنوات من اعتقاله، لا يزال عبد الناصر الحويطي يدفع ثمن مطالبته بحق أساسي: ألا يُقتلع الإنسان من منزله وأرضه بالقوة. واستمرار سجنه حتى اليوم ليس تطبيقًا للعدالة، بل امتداد للعقاب الذي فُرض على مجتمع كامل لإخلاء الطريق أمام مشروع ضخم.

لا يمكن بناء المستقبل بسجن أصحاب الأرض. ويجب أن يبدأ تصحيح هذا الظلم بإطلاق سراح عبد الناصر الحويطي وجميع المعتقلين على خلفية مقاومتهم السلمية للتهجير القسري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى