تقارير

محمد كدوان الألمعي… معلم سعودي حُكم عليه بالسجن 20 عامًا بسبب حضور ندوة علنية مرخّصة

تدين منظمة «معًا من أجل العدالة» استمرار احتجاز التربوي السعودي المتقاعد والناشط الاجتماعي محمد كدوان الألمعي، المعتقل منذ 7 يوليو/تموز 2021، والمحكوم عليه بالسجن لمدة 20 عامًا، يعقبها منع من السفر لمدة مماثلة، في قضية تعود أساسًا إلى حضوره ندوة فكرية علنية ومرخّصة قبل سنوات من اعتقاله، وإلقائه كلمة في أحد مساجد مدينة أبها.

وتؤكد المنظمة أن بقاء الألمعي خلف القضبان لأكثر من خمس سنوات، في قضية تقوم على أنشطة سلمية مشروعة، يمثل انتهاكًا خطيرًا لحرية الرأي والتعبير، ويثير تساؤلات جدية حول استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في تجريم الأنشطة الفكرية والاجتماعية.

من العمل التربوي والخيري إلى السجن

أمضى محمد كدوان الألمعي سنوات طويلة في العمل التربوي بإدارة التعليم بمحافظة رجال ألمع، قبل تقاعده وانتقاله إلى العمل الأهلي، حيث تولى إدارة جمعية خيرية محلية وشارك في أنشطة اجتماعية وإنسانية لخدمة مجتمعه.

لكن مسيرته المهنية والاجتماعية انتهت إلى الاعتقال ضمن حملة أمنية شهدتها منطقة أبها في يوليو/تموز 2021، واستهدفت عددًا من الأكاديميين والتربويين الذين جمعهم حضور فعالية فكرية سابقة.

وجاء اعتقاله على خلفية مشاركته بالحضور في ندوة بعنوان «الحرية بين الشعار والحقيقة»، أقيمت في منزل الدكتور عوض القرني، وقدمها الدكتور سعود الفنيسان، الذي كان يشغل آنذاك منصب عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

والمفارقة أن الندوة كانت معلنة ومرخّصة من الجهات المختصة، وحضرها عدد من الشخصيات العامة والإعلاميين، وجرى تداول محتواها عبر وسائل الإعلام. ومع ذلك، تحولت مشاركة الألمعي فيها، بعد سنوات من انعقادها، إلى أساس لاتهامات أمنية انتهت بحكم طويل بالسجن.

اتهامات بالإرهاب رغم غياب الأدلة الواضحة

بحسب وثائق القضية التي كشفت عنها منظمة سند الحقوقية، وجهت النيابة العامة إلى الألمعي اتهامات تتعلق بتأييد أفكار إرهابية، والتستر على أشخاص يحملون تلك الأفكار، والسعي إلى زعزعة أمن الدولة، والإساءة إلى علماء الدين.

واستند الادعاء إلى ما وصفه بأنه «إقرار مصدّق» صادر عن المعتقل، إلا أن الوثيقة، بحسب المعلومات الحقوقية المنشورة، لم تتضمن اعترافًا بارتكاب أي جريمة، وإنما اشتملت على بيانات شخصية وتفاصيل من سيرته الذاتية وتاريخه العائلي.

إن الاستناد إلى وثيقة تتضمن معلومات شخصية باعتبارها دليل إدانة في اتهامات خطيرة يثير مخاوف جدية بشأن سلامة الإجراءات القضائية ومصداقية الأدلة المستخدمة لتبرير سلب حرية إنسان لعشرين عامًا.

وخلال دفاعه أمام المحكمة، نفى محمد كدوان الألمعي أي ارتباط بأنشطة متطرفة أو مخالفة للقانون، وأكد أن الندوة التي حضرها كانت نشاطًا معلنًا ومصرحًا به، وأنه لم يشارك في أنشطة سرية أو غير قانونية.

كما أوضح أن الكلمة التي سبق أن ألقاها في أحد مساجد أبها كانت قد خضعت للمراجعة من السلطات في وقتها، وأنه امتثل للتعليمات الصادرة بشأنها، بما في ذلك التوقف عن الخطابة.

ورغم هذه التوضيحات، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا بسجنه 20 عامًا، ومنعه من السفر لمدة مماثلة، استنادًا إلى أحكام نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله.

عقوبة تمتد آثارها إلى الأسرة

لم تتوقف تداعيات اعتقال محمد كدوان الألمعي عند حرمانه من حريته، بل امتدت إلى حياته المهنية والأسرية.

فقد فُصل من عمله في الجمعية الخيرية بمحافظة رجال ألمع، وانقطع راتبه، رغم كونه المعيل الأساسي لأسرة تضم زوجتين وعددًا من الأبناء، دون توفر مصدر دخل بديل لهم وفق المعلومات الحقوقية المنشورة.

كما أفادت تقارير حقوقية في أكتوبر/تشرين الأول 2021 باعتقال إحدى زوجتيه، في تطور أثار مخاوف إضافية بشأن امتداد الإجراءات الأمنية إلى أفراد أسرة المعتقل. ولا تتوافر معلومات حديثة موثقة بشأن وضعها الحالي.

وتؤكد منظمة «معًا من أجل العدالة» أن العقوبات المترتبة على قضايا الرأي لا تؤثر على المعتقل وحده، بل تمتد إلى أسرته من خلال فقدان الدخل، والانفصال الأسري، والحرمان من الاستقرار الاجتماعي والنفسي.

تجريم النشاط الفكري واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب

تكشف قضية الألمعي عن إشكالية خطيرة تتعلق بتوسيع نطاق القوانين الأمنية لتشمل أنشطة لا تتضمن عنفًا أو تحريضًا عليه، مثل حضور الندوات العامة والمشاركة في النقاشات الفكرية وإلقاء الكلمات.

فحضور ندوة مرخّصة، حتى لو تناولت موضوعات سياسية أو اجتماعية أو دينية، يدخل في نطاق ممارسة الحقوق الأساسية في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، ولا يجوز اعتباره في ذاته دليلًا على الانخراط في نشاط إرهابي.

كما أن إعادة مساءلة الأفراد عن أنشطة قديمة كانت معلنة ومسموحًا بها وقت انعقادها تثير إشكالات جوهرية تتعلق بمبدأ الشرعية القانونية، وعدم رجعية التجريم، وضرورة وضوح النصوص الجنائية وتناسب العقوبات.

وترى منظمة «معًا من أجل العدالة» أن فرض حكم بالسجن 20 عامًا على تربوي متقاعد بسبب وقائع سلمية تعود إلى سنوات سابقة يعكس اختلالًا صارخًا في التناسب بين طبيعة الأفعال المنسوبة إليه والعقوبة المفروضة، ويستدعي مراجعة مستقلة وشاملة لملف القضية.

إن المؤسسات التعليمية والمجتمعية لا يمكن أن تؤدي دورها في بناء الوعي وتعزيز المشاركة العامة إذا أصبح حضور النقاشات الفكرية أو التعبير عن الرأي سببًا للملاحقة الأمنية والسجن لعقود.

مطالبات بالإفراج الفوري وإلغاء الحكم

تطالب منظمة «معًا من أجل العدالة» السلطات السعودية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن محمد كدوان الألمعي، وإلغاء الحكم الصادر بحقه بالسجن لمدة 20 عامًا، وكذلك عقوبة المنع من السفر.

كما تطالب المنظمة بإجراء مراجعة قضائية مستقلة وشفافة للاتهامات والأدلة التي استُخدمت لإدانته، والتحقيق في الانتهاكات التي شابت إجراءات احتجازه ومحاكمته، وضمان حقه في التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه والحصول على الرعاية الصحية اللازمة.

وتشدد المنظمة على ضرورة معالجة الأضرار المادية والاجتماعية التي لحقت بأسرته نتيجة اعتقاله وفقدانه عمله ومصدر دخله، وضمان عدم تعرض أفراد أسرته لأي ملاحقة أو تضييق بسبب صلتهم به.

وتدعو كذلك الآليات الأممية المعنية بالاحتجاز التعسفي وحرية الرأي والتعبير إلى متابعة قضيته، ومطالبة السلطات السعودية بإنهاء استخدام التشريعات الأمنية لمعاقبة الأنشطة السلمية.

إن قضية محمد كدوان الألمعي تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف يتحول حضور معلم متقاعد ندوة عامة مرخّصة إلى سبب للحكم عليه بالسجن عشرين عامًا؟

بعد أكثر من خمس سنوات على اعتقاله، لا تزال حياته وحياة أسرته معلقتين بحكم قاسٍ صدر في قضية أثارت مخاوف حقوقية جدية بشأن طبيعة الاتهامات وسلامة الأدلة.

إن حضور الندوات والتعبير السلمي عن الرأي ليسا جريمة، ولا يجوز أن يدفع إنسان عشرين عامًا من عمره ثمنًا لممارسة حقوقه الأساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى