تقارير

السعودية تعاقب محمد فضائل بالسجن 25 عامًا بعد محاكمة شابتها مزاعم التعذيب

تدين منظمة «معًا من أجل العدالة» استمرار احتجاز رجل الأعمال والشيخ القبلي اليمني محمد مطهر محمد فضائل، المعتقل في السعودية منذ 28 يونيو/حزيران 2020، والمحكوم عليه بالسجن لمدة 25 عامًا في قضية قامت، بحسب المعلومات الحقوقية المتاحة، على منشورات وصور محفوظة في هاتفه، وعضويته في مجموعات إخبارية عبر تطبيق «واتساب»، وعلاقات تجارية واجتماعية حاول الادعاء إضفاء طابع سياسي وأمني عليها.

 

تكشف قضية فضائل عن مسار شديد الخطورة يبدأ بالاعتقال والإخفاء والحرمان من الأسرة، ويمر بالتعذيب المزعوم لإجباره على توقيع إفادات، وينتهي بحكم يمتد ربع قرن استنادًا إلى اتهامات متناقضة تنفيها أسرته والمتهم نفسه.

الاعتقال من منزله ومصادرة أجهزته

محمد فضائل مواطن يمني ورجل أعمال وشيخ قبلي، أقام في السعودية منذ عام 2014، وكانت له أنشطة واستثمارات تجارية في المملكة وتركيا. وتشير المعلومات المنشورة إلى أنه كان معروفًا بمشاركته في جهود الوساطة وحل الخلافات القبلية اليمنية، وبموقفه المناهض لجماعة أنصار الله «الحوثيين».

 

في 28 يونيو/حزيران 2020، اعتقلت السلطات السعودية فضائل من منزله وصادرت هواتفه وأجهزته الشخصية. وجاء اعتقاله في سياق حملة طالت يمنيين آخرين داخل المملكة، وسط شكاوى حقوقية من احتجازهم دون أسباب معلنة وحرمان أسرهم من معرفة أماكنهم أو التواصل معهم خلال الفترات الأولى من الاعتقال.

 

وبحسب منظمة «سند» الحقوقية، تعرض فضائل خلال احتجازه للضرب على الرأس والبطن والركل في القدم بهدف انتزاع اعترافات منه، وأُجبر على توقيع إفادتين تحت الإكراه. كما وُضع في الحبس الانفرادي لمدة أربعة أشهر وعشرين يومًا، وحُرم من التواصل مع أسرته وأطفاله المقيمين في تركيا.

 

إن انتزاع أقوال أو توقيعات تحت التعذيب، إذا ثبت، لا يمثل انتهاكًا لسلامة المحتجز فحسب، بل يهدم الأساس القانوني للقضية كاملة. فلا يجوز لأي محكمة تحترم الحد الأدنى من العدالة أن تعتمد اعترافًا انتُزع بالضرب أو التهديد أو العزل القسري.

 

اتهامات متناقضة وعلاقات جرى تجريمها

 

تثير طبيعة الاتهامات الموجهة إلى محمد فضائل شكوكًا جدية بشأن سلامة القضية. فقد استُخدمت علاقته الشخصية أو ظهوره في صورة مع ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، وحضوره مؤتمرًا للمستثمرين في تركيا، ضمن المواد التي استند إليها الادعاء.

 

كما تضمنت الأدلة المعلنة صورًا ومقاطع محفوظة في هاتفه، من بينها مقطع للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وصورة للرئيس المصري الراحل محمد مرسي، فضلًا عن صور ومواد أخرى اعتبرتها السلطات مؤشرات على توجهات أو ارتباطات سياسية.

 

ووُجهت إليه اتهامات متناقضة بالارتباط أو التعاطف مع جهات متصارعة فكريًا وسياسيًا وعسكريًا، شملت جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الله اللبناني، وجماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة. ولا يثبت الاحتفاظ بصورة أو مقطع، أو الوجود في مجموعة إخبارية، العضوية في أي تنظيم أو تقديم دعم مادي أو تنظيمي له.

 

ونفى فضائل ملكيته لحساب على «فيسبوك» نُسبت إليه من خلاله منشورات مؤيدة للحوثيين، وطالب بفحص أجهزته للتحقق من الأمر. ووفقًا للمعلومات الحقوقية المنشورة، لم تثبت النيابة ملكيته للحساب، ومع ذلك بقي اتهام دعم الحوثيين جزءًا من القضية. كما قال إن تهمة دعم حزب الله أضيفت من جانب المحكمة رغم أنها لم تُطرح عليه أثناء التحقيق ولم ترد ضمن الاتهامات التي دافع عن نفسه في مواجهتها.

 

أما وجوده في مجموعات «واتساب»، فأوضح فضائل أنها مجموعات إخبارية مفتوحة تضم مئات الأشخاص لمتابعة تطورات اليمن، وأن العضوية فيها لا تعني الانتماء إلى الجهات التي تتناول المجموعة أخبارها أو التواصل معها.

 

إن جمع أسماء جهات متناقضة داخل ملف اتهام واحد لا يقوي القضية، بل يضاعف الشكوك حول استخدامها لتكوين صورة أمنية مخيفة لا تدعمها أفعال محددة أو أدلة يمكن اختبارها بصورة مستقلة.

 

سبع سنوات تحولت إلى ربع قرن

 

في 14 فبراير/شباط 2022، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا ابتدائيًا بسجن محمد فضائل سبع سنوات على خلفية قضية مرتبطة بالنشر والتعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن محكمة الاستئناف شددت العقوبة لاحقًا بصورة هائلة، لترتفع إلى 25 عامًا.

 

هذا التصعيد لا يعكس فقط قسوة العقوبة، بل يكشف غياب التناسب بين الأفعال المنسوبة إليه والحكم الصادر. فما نُشر عن ملف القضية لا يتضمن دليلًا معلنًا على ارتكابه عملًا عنيفًا أو التخطيط له أو تمويله. وبدلًا من أن يكون الاستئناف فرصة لمراجعة الانتهاكات والأدلة المتنازع عليها، تحول إلى وسيلة لمضاعفة العقوبة أكثر من ثلاث مرات.

 

كما أفادت مصادر حقوقية بأن المحكمة رفضت طلب فضائل توكيل شقيقه لتمثيله في قضايا مرتبطة باستثماراته أمام المحاكم التركية، وهو ما تسبب له في خسائر مالية كبيرة وأضاف عقوبة اقتصادية غير مباشرة إلى سنوات سجنه الطويلة.

عزلة عن الأسرة وغموض يحيط بمصيره

منذ اعتقال محمد فضائل، ظلت المعلومات المستقلة المتعلقة بمكانه وظروف احتجازه وحالته الصحية محدودة للغاية. وقد وثقت المصادر حرمانه من التواصل مع أسرته وأطفاله، بينما لم تقدم السلطات السعودية توضيحات علنية كافية حول الضمانات التي توفرت له أثناء التحقيق والمحاكمة، أو بشأن فتح تحقيق مستقل في مزاعم تعرضه للتعذيب.

 

ولا ينبغي التعامل مع انقطاع الأخبار أو ندرتها باعتباره أمرًا اعتياديًا. فالدولة مسؤولة عن سلامة كل شخص تحتجزه، وعن تمكينه من الاتصال المنتظم بأسرته ومحاميه، وعن الكشف عن مكان احتجازه وحالته الصحية. كما أن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي يرفع خطر التعذيب وسوء المعاملة، ويحرم المعتقل من إحدى أهم وسائل الحماية القانونية.

 

استهداف المقيمين اليمنيين

 

لا يمكن فصل قضية فضائل عن سياق أوسع من الاعتقالات التي طالت مواطنين يمنيين مقيمين في السعودية خلال الفترة نفسها. فقد تحدثت منظمات حقوقية عن توقيف عدد من اليمنيين وإخفائهم لفترات، ومنعهم من التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على مساعدة قانونية فعالة.

 

ويكتسب هذا النمط خطورة إضافية بسبب هشاشة أوضاع اليمنيين المقيمين في المملكة. فالحرب المستمرة في بلادهم، واعتماد بعضهم على الإقامة والعمل في السعودية، يجعلانهم أكثر عرضة للضغط وأقل قدرة على الاعتراض أو طلب الحماية. ولا يجوز تحويل وضعهم القانوني أو حاجتهم إلى الأمان إلى وسيلة لإسكاتهم أو حرمانهم من ضمانات العدالة.

 

تؤكد منظمة «معًا من أجل العدالة» أن الحكم الصادر بحق محمد فضائل، وما سبقه من انتهاكات موثقة أو مزعومة، يثير مخاوف جدية بشأن تعسف الاحتجاز وعدالة المحاكمة وسلامة الأدلة المستخدمة ضده.

 

وتطالب المنظمة السلطات السعودية بما يلي:

  • الإفراج الفوري وغير المشروط عن محمد فضائل، وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقه.
  • الكشف عن مكان احتجازه وحالته الصحية وتمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه.
  • فتح تحقيق مستقل ونزيه في مزاعم تعرضه للضرب والتعذيب والحبس الانفرادي وانتزاع توقيعات منه تحت الإكراه.
  • استبعاد جميع الأقوال والإفادات التي يُشتبه في انتزاعها تحت التعذيب، وعدم استخدام محتوى الهواتف أو العضوية في المجموعات الإخبارية بوصفهما دليلًا على الانتماء السياسي أو التنظيمي.
  • ضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة، وتمكين جهة مستقلة من زيارته وتقييم ظروف احتجازه.
  • تعويضه عن الأضرار الجسدية والنفسية والمالية التي لحقت به وبأسرته، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
  • وقف استهداف المقيمين اليمنيين بسبب آرائهم أو علاقاتهم أو نشاطهم السلمي، وضمان تمتعهم بالحماية القانونية الكاملة.

كما تدعو المنظمة الحكومة اليمنية، وآليات الأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي والتعذيب، والمؤسسات الحقوقية الدولية، إلى متابعة القضية والضغط على السلطات السعودية لإنهاء احتجاز فضائل وضمان سلامته.

 

إن احتجاز إنسان ست سنوات، وتعريضه للتعذيب المزعوم، ثم الحكم عليه بالسجن 25 عامًا بسبب صور ومنشورات وعلاقات لا تثبت ارتكاب جريمة، لا يمثل تطبيقًا للعدالة. إنه عقاب سياسي بالغ القسوة، ورسالة ترهيب لكل مقيم يعتقد أن حياته الخاصة أو هاتفه أو علاقاته الاجتماعية تقع خارج رقابة السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى