سبتمبر الأسود يعود من جديد – والسلطات السعودية تعيد إنتاج أبشع موجات القمع
مع حلول سبتمبر/أيلول من عام 2025، تعود إلى الأذهان ذكرى واحدة من أبشع الحملات القمعية في تاريخ المملكة الحديث، وهي حملة سبتمبر 2017، التي دشّنها ولي العهد محمد بن سلمان بعد أشهر قليلة من وصوله إلى السلطة. تلك الحملة شكّلت نقطة تحوّل سوداء، إذ شملت اعتقال العشرات من العلماء والدعاة والمفكرين والأكاديميين والناشطين الحقوقيين، على رأسهم الشيخ سلمان العودة، والدكتور عوض القرني، والدكتور علي العمري، وغيرهم من الشخصيات البارزة التي لم يكن “جرمها” سوى التعبير عن رأي سلمي، أو رفض الانصياع الكامل للسياسات الجديدة التي تبنّاها النظام.
سبتمبر مستمر… والقمع متجدد
بعد ثماني سنوات على تلك الحملة، لم يتغير المشهد، بل تعمّق القمع واتسع نطاقه. فما زال العديد من معتقلي سبتمبر رهن الاعتقال حتى اليوم، يواجهون محاكمات مسيّسة تفتقر إلى أدنى معايير العدالة، وبعضهم يواجه مطالبات صريحة بتنفيذ حكم الإعدام على خلفية اتهامات ملفقة تتعلق بحرية الرأي والتعبير. ومن أبرز هؤلاء:
- الشيخ سلمان العودة: المعتقل منذ سبتمبر 2017، ويواجه تهديدًا مستمرًا بالإعدام.
- الدكتور عوض القرني: أستاذ جامعي وداعية بارز، ما زال معتقلاً ومهددًا بعقوبة الإعدام.
- الدكتور علي العمري: رئيس جامعة مكة المكرمة المفتوحة سابقًا، لا يزال قيد الاعتقال في ظروف بالغة السوء.
إلى جانب هؤلاء، طالت الاعتقالات مئات من المغردين والناشطين، بعضهم لا يُعرف عنهم سوى نشاط سلمي على منصات التواصل الاجتماعي.
اتهامات باطلة ومحاكمات مسيّسة
تعتمد السلطات السعودية في هذه القضايا على اتهامات فضفاضة مثل “الخروج على ولي الأمر”، “التعاطف مع كيانات إرهابية”، أو “الإساءة لسمعة المملكة”. هذه التهم تُستخدم كغطاء قانوني زائف لتبرير الاعتقال التعسفي وإسكات الأصوات الناقدة. المحاكمات تجري في سرية، مع حرمان المعتقلين من التواصل الفعّال مع محاميهم، وانتزاع اعترافات تحت الإكراه أو التعذيب، وهو ما يجعلها باطلة قانونًا بموجب المعايير الدولية.
إفلات من العقاب وتعمد في القمع
رغم الإدانات الحقوقية الدولية المتكررة، تصر السلطات السعودية على المضي في سياسة القمع، وتجاهل التزاماتها الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. بل إن السنوات التي تلت حملة سبتمبر شهدت تصاعدًا في الاستهداف طال النساء المدافعات عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والكتاب، والأكاديميين، وحتى الفلسطينيين والأردنيين المقيمين في المملكة ممن أبدوا تضامنًا مع قضية فلسطين، كما في حملة 2019.
إن استمرار هذا النهج بعد مرور ثماني سنوات على حملة سبتمبر يؤكد أن القمع لم يكن حدثًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة تستهدف القضاء على أي مساحة للرأي الحر أو النشاط السلمي. ومن هنا، تدعو منظمة معًا من أجل العدالة إلى:
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي سبتمبر وغيرهم من معتقلي الرأي.
- وقف محاكمات الإعدام المسيسة بحق العلماء والدعاة والناشطين.
- تمكين المقررين الخاصين للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المستقلة من زيارة المعتقلين ومعاينة أوضاعهم.
- محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة التي ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
إن “سبتمبر” لم ينتهِ في السعودية؛ فظلاله القاتمة لا تزال ممتدة حتى اليوم، حيث ما زال المئات خلف القضبان، يواجهون خطر الموت جراء محاكمات جائرة وظروف اعتقال قاسية. ستظل ذكرى سبتمبر وصمة عار في سجل النظام السعودي، ما لم يُطوَ هذا الملف بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين وضمان حقوقهم الكاملة، وتقديم الجناة إلى العدالة.



