عُمان أمام اختبار أخلاقي خطير: احتجاز أم مصرية بعد الولادة يفضح انزلاقًا مقلقًا نحو خدمة القمع المصري

تدين منظمة معًا من أجل العدالة بأشد العبارات احتجاز السلطات العُمانية للمواطنة المصرية مريم محمد عبد الباسط، البالغة من العمر 31 عامًا، داخل مستشفى المدينة الطبية العسكرية في مسقط، بعد ساعات قليلة من وضعها مولودها، وتسجيلها رسميًا بوصفها “سجينة” داخل منشأة طبية، بينما لا يزال طفلها الرضيع محتجزًا معها في مشهد صادم لا يليق بدولة طالما قدّمت نفسها للعالم بوصفها صوتًا للعقل والحكمة والوساطة.
إن ما جرى مع مريم لا يمكن التعامل معه كإجراء أمني عابر أو مسألة إدارية مرتبطة بطلب دولي؛ بل هو فعل بالغ الخطورة يكشف عن استعداد مقلق لدى السلطات العُمانية للانخراط في ملاحقة عابرة للحدود تقودها أجهزة النظام المصري ضد معارضيه وذويهم. فما الذي أصاب عُمان حتى تسمح بأن تتحول مستشفياتها إلى أماكن احتجاز؟ وما الذي دهاها حتى تُعامل امرأة خرجت للتو من غرفة العمليات كأنها مجرمة خطيرة؟ وأي مصلحة لعُمان في أن تضع سمعتها وتاريخها الدبلوماسي في خدمة نظام مصري معروف بتوظيف الإنتربول والقانون الدولي كأدوات انتقام سياسي؟
لقد أقامت مريم في سلطنة عُمان بصورة قانونية منذ عام 2021 مع زوجها وأطفالها، ولم يُسجل ضدها طوال سنوات إقامتها أي جرم أو مخالفة على الأراضي العُمانية. لكنها وجدت نفسها فجأة هدفًا للملاحقة بعد اعتقال زوجها أحمد موسى في عُمان في 26 مارس 2026 وترحيله إلى مصر في 9 أبريل 2026، استنادًا إلى ما قيل إنه إشعار شفهي عبر الإنتربول، دون ضمانات قانونية أو وثائق واضحة أو حق فعلي في الطعن. ومنذ لحظة ترحيله، انقطعت أخباره تمامًا، ليصبح في عداد المختفين قسريًا داخل منظومة أمنية مصرية اشتهرت بالإخفاء والتعذيب والمحاكمات الجائرة.
وبدلًا من أن تتوقف السلطات العُمانية أمام خطورة ما حدث لزوجها، امتدت الملاحقة إلى مريم نفسها؛ فمُنعت من مغادرة البلاد في مطار مسقط، وأُبلغت شفهيًا بإدراج اسمها على قوائم الإنتربول دون أن تتسلم أي مستند رسمي يوضح طبيعة الطلب أو أساسه القانوني، ثم خضعت لاستجوابين دون حضور محامٍ، قبل أن تُحتجز بعد الولادة مباشرة داخل مستشفى عسكري. إن هذه الوقائع لا تمثل فقط انتهاكًا لحقوق امرأة وطفلها الرضيع، بل تمثل انحدارًا خطيرًا في مفهوم الحماية القانونية والإنسانية داخل دولة يفترض أنها لا تقبل بأن تكون ذراعًا أمنية لأي نظام قمعي.
وتؤكد المنظمة أن التهم التي تزعم السلطات المصرية نسبتها إلى مريم، ومنها “قيادة تنظيم إرهابي” و“نشر أخبار كاذبة” و“التجمهر” و“التحريض على العصيان المدني”، هي من النوع الفضفاض الذي اعتادت أجهزة الأمن المصرية استخدامه ضد الصحفيين والمحامين والنشطاء السلميين وأقارب المعارضين. هذه ليست تهمًا جنائية حقيقية بقدر ما هي قوالب جاهزة لتجريم أي شخص تريد السلطة المصرية سحقه أو ابتزازه أو معاقبة عائلته.
مريم ليست ناشطة مسلحة، ولا هاربة من جريمة، ولا خطرًا على أمن عُمان أو أي دولة. مريم أم شابة وضعت مولودها للتو، ولديها طفلان قاصران باتا بلا أب بعد اختفاء والدهم عقب ترحيله إلى مصر. ومع ذلك تُعامل اليوم كأنها ملف أمني، لا كإنسانة في لحظة صحية ونفسية بالغة الحساسية. إن احتجاز امرأة في يومها الأول بعد الولادة، وتهديدها بالترحيل إلى بلد يواجه فيه زوجها الاختفاء القسري، لا يمكن وصفه إلا بأنه سقوط أخلاقي وقانوني فادح.
وتشدد معًا من أجل العدالة على أن تسليم مريم أو ترحيلها إلى مصر سيعني عمليًا دفعها إلى مصير مجهول، في ظل سجل مصري موثق في التعذيب والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي وانعدام ضمانات المحاكمة العادلة. وأي دولة تقدم على ذلك لا تستطيع لاحقًا أن تتذرع بأنها كانت تنفذ إجراءً فنيًا أو تتعاون مع الإنتربول؛ فالقانون الدولي واضح في حظر الإعادة القسرية عندما يكون الشخص معرضًا لخطر التعذيب أو الاختفاء أو الاضطهاد السياسي.
إن المنظمة تستغرب هذا المسار العُماني الصادم، وتتساءل بوضوح: لماذا تختار سلطنة عُمان أن تطبع أمنيًا مع نظام ديكتاتوري يستخدم القانون الدولي بطريقة انتقامية؟ ولماذا تقبل مسقط بأن تتحول إلى محطة لتسليم الضحايا إلى أجهزة أمنية لا تحترم حياة الإنسان ولا كرامته؟ وأين ذهبت النخوة العربية التي تمنع تسليم امرأة خارجة من عملية ولادة إلى نظام يُخفي زوجها قسرًا؟ وأين ذهبت الحكمة العُمانية التي طالما قيل إنها ترفض الانحياز إلى القمع وتفضل الحلول الإنسانية؟
إن ما يحدث لا يسيء إلى مريم وحدها، بل يسيء إلى صورة سلطنة عُمان نفسها. فالدول لا تُقاس فقط بما تقوله في المؤتمرات والوساطات، بل بما تفعله حين يُطرق بابها ضحية ضعيفة لا تملك سلطة ولا حماية. واليوم، تقف عُمان أمام اختبار حقيقي: إما أن تثبت أنها دولة قانون وكرامة وإنسانية، أو أن تُسجل في هذه القضية كطرف ساعد على تسليم أم ورضيعها إلى منظومة قمع معروفة بوحشيتها.
وتحمل المنظمة السلطات العُمانية المسؤولية الكاملة عن حياة مريم محمد عبد الباسط وسلامتها الجسدية والنفسية، وعن سلامة مولودها وطفليها القاصرين. كما تحملها المسؤولية عن أي إجراء يؤدي إلى ترحيلها أو تسليمها أو تقييد حريتها استنادًا إلى طلب مصري مشبوه أو إشعار إنتربول غير واضح أو غير خاضع لمراجعة قانونية مستقلة.
وتطالب معًا من أجل العدالة السلطات العُمانية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن مريم محمد عبد الباسط، ورفع أي قيود مفروضة على حريتها في التنقل، وتمكينها من مغادرة البلاد إلى وجهة آمنة تختارها، وضمان عدم ترحيلها أو تسليمها إلى مصر تحت أي ذريعة. كما تطالب بالكشف عن الأساس القانوني لاحتجازها، وتمكينها من التواصل الكامل مع محاميها وأسرتها، وفتح مراجعة عاجلة في ملابسات ترحيل زوجها أحمد موسى إلى مصر وما ترتب عليه من اختفائه القسري.
كما تدعو المنظمة الإنتربول إلى التدخل العاجل لمراجعة أي بيانات أو إشعارات أو طلبات متعلقة بمريم أو بزوجها، والتأكد من عدم استخدام منظومته في ملاحقات ذات طبيعة سياسية أو انتقامية. إن استمرار الأنظمة القمعية في استخدام الإنتربول كسلاح ضد المعارضين وأسرهم يمثل خطرًا جسيمًا على فكرة التعاون الشرطي الدولي ذاتها، ويحوّل القانون من وسيلة لملاحقة الجريمة إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
إن قضية مريم محمد عبد الباسط ليست ملفًا فرديًا منعزلًا، بل اختبار كاشف: هل ستقف عُمان إلى جانب أم وطفلها في وجه آلة القمع المصرية، أم ستسمح بأن يُكتب اسمها في سجل الدول التي سلّمت الضحايا بدلًا من حمايتهم؟ الوقت لم يعد يسمح بالمناورة أو الصمت. الإفراج عن مريم ومنع ترحيلها واجب فوري، وأي تأخير قد يتحول إلى جريمة لا يمكن تبريرها ولا محو آثارها.



