الأكاديمي عبد الله اليحيى خلف القضبان بسبب رفضه التطبيع: اعتقال تعسفي يكشف تجريم الموقف الشعبي المناهض للاحتلال في السعودية
تجدد منظمة “معًا من أجل العدالة” مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله اليحيى، المعتقل منذ ديسمبر/كانون الأول 2021 على خلفية تعبيره السلمي عن موقفه الرافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وانتقاده العلني للخطاب الذي يروّج للسلام مع كيان يواصل ارتكاب الانتهاكات بحق الفلسطينيين.
يمضي اليحيى أكثر من أربعة أعوام خلف القضبان، لا بسبب ارتكابه فعلًا جنائيًا، بل بسبب رأي عبّر عنه على منصة “إكس”، حين كتب في 19 ديسمبر/كانون الأول 2021 منتقدًا دعاة التطبيع: “إلى دعاة التطبيع والسلام: آخر ما يفكر به الكيان الصهيوني – وهم في طريقهم إلى جمهورية الحاخامات – تطبيلكم للسلام.” وبعد هذه التغريدة، انقطع ظهوره عن الفضاء العام، قبل أن يتضح لاحقًا أنه محتجز لدى مباحث أمن الدولة.
ومنذ اعتقاله، أحاطت السلطات السعودية قضيته بتعتيم شديد، إذ اختفى قسرًا لفترة دون إعلان رسمي عن مكان احتجازه أو أسباب توقيفه، وحُرم من التواصل المنتظم مع عائلته ومن حقه في الاستعانة بمحامٍ، في انتهاك مباشر لأبسط الضمانات القانونية التي يجب أن يتمتع بها أي محتجز.
إن اعتقال الدكتور عبد الله اليحيى بسبب موقفه من التطبيع يكشف بوضوح كيف تحوّل المجال العام في السعودية إلى مساحة خاضعة بالكامل للخطاب الرسمي، حيث لا يُسمح للمواطنين بالتعبير عن مواقف أخلاقية أو سياسية مستقلة، حتى عندما تتعلق بقضية مركزية مثل رفض الاحتلال والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
واليحيى ليس مجرد مستخدم عابر لمواقع التواصل، بل أكاديمي وباحث في الدراسات الإسلامية، حاصل على الدكتوراه من جامعة البنجاب في لاهور، وتناولت أبحاثه الاتجاهات الإسلامية المعاصرة في دول مجلس التعاون الخليجي. غير أن مكانته العلمية لم تحمه من القمع، بل جعلته أكثر عرضة للاستهداف في سياق تتعامل فيه السلطات مع الرأي المستقل باعتباره خطرًا يجب إسكاته.
ومن الناحية القانونية، فإن احتجازه على خلفية تغريدة سلمية يمثل انتهاكًا واضحًا لحرية الرأي والتعبير، كما أن اختفاءه القسري وحرمانه من التواصل مع أسرته ومحاميه يقوضان ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الحرية والأمان الشخصي. ولا يجوز للدولة أن تحوّل موقفًا سياسيًا أو أخلاقيًا من التطبيع إلى تهمة أمنية أو سبب للاحتجاز.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن قضية عبد الله اليحيى تعكس نمطًا أوسع من ملاحقة الأصوات الرافضة للتطبيع داخل السعودية، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التقارب الرسمي مع الاحتلال الإسرائيلي، ويُقابل أي اعتراض شعبي أو ديني أو أخلاقي بالقمع والترهيب.
إن رفض الاحتلال والتعبير عن التضامن مع حقوق الفلسطينيين ليس جريمة، بل موقف مشروع يدخل في صميم حرية الرأي والضمير. وتجريم هذا الموقف يفضح حجم الانحياز السياسي للسلطات السعودية ضد الأصوات المستقلة، ويؤكد أن ملف التطبيع لم يعد مجرد خيار سياسي خارجي، بل أصبح أداة داخلية لقمع المخالفين.
بناءً على ذلك، تطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الدكتور عبد الله اليحيى، والكشف الكامل عن وضعه القانوني والصحي، وتمكينه من التواصل مع عائلته ومحامٍ يختاره، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي تعرض لها منذ اعتقاله.
كما تدعو المنظمة إلى وقف ملاحقة المواطنين بسبب آرائهم الرافضة للتطبيع أو الداعمة للحقوق الفلسطينية، وإلى احترام الحق في التعبير عن المواقف السياسية والأخلاقية دون تهديد أو اعتقال أو اختفاء قسري.
إن استمرار احتجاز عبد الله اليحيى يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدفاع عن فلسطين ورفض الاحتلال قد يتحولان في السعودية إلى سبب للسجن. وهذه رسالة لا تستهدف شخصًا واحدًا فقط، بل تستهدف كل صوت حر يرفض تحويل التطبيع إلى أمر مفروض بالقمع.



