الدعوة الأميركية لبن سلمان تعمّق انهيار ما تبقى من الصورة الأخلاقية للولايات المتحدة وتمنحه شرعية جديدة رغم الاغتيالات والقمع والتصفيات
وصلت دعوة رسمية من البيت الأبيض إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لعقد “زيارة عمل” في واشنطن، وهي خطوة أثارت صدمة واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية، لأنها تعطي لرجل متهم باغتيال صحفيين وقمع المعارضين ومنع الحريات مساحة اعتراف علني في مركز القرار الأميركي. لم تمر الدعوة كحدث بروتوكولي عابر، بل تعامل معها كثيرون باعتبارها خطيئة سياسية تمنح الشرعية لشخص ارتبط اسمه بأبشع الانتهاكات في الداخل السعودي وخارجه، من حرب اليمن إلى تصفية الخصوم، وصولًا إلى عملية الاغتيال المروعة التي طالت الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
الزيارة تأتي رغم أن الإدارات الأميركية، رسميًا على الأقل، تمتلك معرفة كاملة بسجل ولي العهد. شخصيات داخل مؤسسة الحكم الأميركية كانت شاهدة على الطريقة التي يتعامل بها بن سلمان منذ سنوات مع أي نقد، إذ يهاجم خصومه بلا حدود، ويسحق الأصوات الداخلية بلا رحمة، ويفرض سياسات أمنية متطرفة تحولت إلى نمط ثابت داخل المملكة. منذ 2018، وبعد اللقاء الذي جمعه بعدد من صحفيي واشنطن بوست، برزت أمام الجميع صورته الحقيقية: رجل يتحدث بثقة مفرطة، يقدم روايات مكشوفة، يكذب علنًا، ولا يظهر أي أثر للمحاسبة أو التواضع السياسي. وبعد شهور فقط من هذا اللقاء، اختفى جمال خاشقجي ثم اغتيل داخل القنصلية، في واحدة من أكثر الجرائم السياسية وضوحًا وتخطيطًا في العصر الحديث.
ورغم أن أجهزة الاستخبارات الأميركية خلصت بدرجة يقين عالية إلى أن محمد بن سلمان هو من أمر أو وافق على العملية، رفض الرئيس ترامب وقتها اتخاذ أي إجراء، واعتبر أن “العلاقات أهم من الحوادث الفردية”، بحجة المصالح الاقتصادية وصفقات السلاح. ثم جاءت إدارة بايدن التي وعدت بجعل السعودية “منبوذة”، لكنها انتهت إلى زيارة رسمية في جدة عام 2022، وانتهت الصورة بمصافحة “بقبضة اليد” كسرت ما تبقى من خطاب أميركي عن القيم والحقوق.
والآن، بدعوة رسمية جديدة، تُمنح الرياض مكافأة إضافية، في لحظة تضاعفت فيها أرقام الإعدامات داخل المملكة إلى مستويات غير مسبوقة، مع تسجيل 345 تنفيذًا في عام 2024 وحده، واشتداد القبضة الأمنية، وامتداد القمع إلى أصغر الأصوات المعارضة. الضحية الأخيرة ليست فردًا، بل مجتمع كامل يعيش تحت سيف الترهيب، بينما تُقدّم دعوة البيت الأبيض كأنها شهادة تزكية سياسية، تمنح بن سلمان شعورًا بأن كل ما يفعله لن تكون له كلفة دولية.
على المستوى الاستراتيجي، يرى مراقبون داخل الولايات المتحدة أن استقبال بن سلمان بهذه الطريقة يرقى إلى مقام المخاطرة. فولي العهد أثبت خلال سنوات قليلة أنه عنصر عدم استقرار، يجر المنطقة إلى صراعات متلاحقة، من حرب اليمن التي خلفت آلاف القتلى المدنيين، إلى التوترات المستمرة مع إيران، وصولًا إلى سياسات إقليمية أثارت الأزمات بدل حلها. وفي حال استلم العرش رسميًا — وهو الاحتمال الأقرب — سيجد العالم نفسه أمام زعيم شاب يمتلك سلطة مطلقة بلا مؤسسات توازن أو تحاسب، ما يجعل الزيارات البروتوكولية التي تمنحه الشرعية جزءًا من تراكم سياسي خطير ستكون له نتائج طويلة الأمد.
الولايات المتحدة، التي تراجع خطابها الأخلاقي في السنوات الأخيرة، تزيد من خسارتها الرمزية بهذا النوع من الانخراط غير المشروط. فالرسالة الواضحة التي تصل إلى العالم هي أن انتهاك الصحافة، وقمع الحريات، وتصفية المعارضين، والتورط في نزاعات دموية، لم تعد عوائق تمنع دخول البيت الأبيض. هذا ما يجعل زيارة بن سلمان إلى واشنطن أكثر من مجرد لقاء رسمي: إنها علامة سقوط إضافية في التوازن القيمي الذي كانت تعتمد عليه السياسة الأميركية، ودفعة جديدة لسلطة في الرياض أثبتت مرارًا أنها لا تتردد في استخدام القوة ضد شعبها وضد جيرانها.
النتيجة النهائية لهذه الدعوة لن تبقى محصورة في لحظة سياسية عابرة، بل ستتحول إلى عبء طويل المدى، لأن الولايات المتحدة ستجد نفسها مجبرة على التعامل تباعًا مع تداعيات تمكين شخصية صنعت خصومات إقليمية، وعمّقت الحروب، وارتبط اسمها بواحدة من أبشع جرائم القتل السياسي في العصر الحديث. وعندما يتأكد بن سلمان أن كل ذلك لم يمنعه من دخول البيت الأبيض، فسوف يعتبر هذا الانفتاح الأميركي ضوءًا أخضر لاستمرار نهجه دون حساب، في توقيت يحتاج فيه العالم إلى قادة يطفئون حرائق المنطقة بدل إضافة وقود إليها.



